صانع التماثيل..  

Posted by: محمد إبراهيم محروس



لم يأخذني الخوف عندما اقتحم عليّ خلوتي ، كنت التمس الدفء لدى صفحات كتاب قديم أصفرت أوراقه بفعل الزمن ، رأيت في ملامحه الترقب والخوف ، ظهر مليًّا أنه يحمل لي خبرًا عجيبًا ، وتخاف شفتاه أن تنطقا به ، التمس الهدوء في عينيّ ، وقال بعد مدة : - سيدي لم أر بدا من أخبارك بالأمر.. لقد أتى من انتظرته أنت طوال عمرك ، وقلت عنه في أسفارك وكتبك السبع ، لقد ظهر صانع التماثيل في الحي ..

توقفت الكلمات التي أردت لفظها بين شفتي، بعد وهلة استطعت أن أهمس برفق:

- هل أتى فعلا ؟!.

عندما هزّ رأسه ومال جانبا ؛ ليجلس متكئا على أحدى الطنافس ؛ عرفت أن الخبر خارج حدود الحي بمراحل، وأنه حقيقي برغم أنني طوال عمري أحسب مقدمه وأستعد له ، ولكنني شعرت بالخوف .. الترقب والانتظار مهما كان طبيعتهما أقل تأثيرًا من المواجهة الفعلية معه.. هممت بالقول ، وهدأت قليلا .. أنفاسي المبهور وحدقتا عيني اللتان ظلتا محدقتان في الفراغ لمدة، أصابته بالرعب.. تلميذي النجيب الذي ظل لسنوات يخدم تحت يدي، ويحفظ كتاباتي وأشعاري، ويرددها للناس، تلميذي الذي كان يرد المريدين على بيتي ليل نهار، كان خائفًا مرعوبًا.. فما بالي وأنا الحبيس منذ عشرات السنين خلف الأبواب أبغي الانتظار حلا ..

- ماذا يفعل؟ ..

هكذا خرجت الكلمة مختصرة ومجهولة ..

قال: يفعل ما شاهدته أنت في أحلامك وكتبته في أحاديثك مرارًا.. يصنع التماثيل للناس .. قدم أمس ويعكف حاليا في صنع أول تمثال له..

- من أختاره للتمثال الأول ..

قال : اختار فتاتي العذراء، التي اختارها قلبي..

- وكيف عرف ؟!

- شاهدت يديه وهي تمسكان بمادته الخام ويبدأ في صنع الجسد..وهي تقف أمامه لا تتحرك..

كلامه كان كافيا لكي أخرج ولأبحث بنفسي عن السر ّ، السرّ الذي حلمت به لسنوات وسجلته يدي في مئات الصفحات ولكن لا أحد يقرأ، ولا أحد يسمع..

كان خروجي أشبه بالخروج الأول.. منذ سنوات عديدة اعتكفت داخل بيتي أقفل على نفسي أبوابًا خلف أبواب.. أتنفس الصمت ..

قالوا شيخ طريقة، قالوا عالما جليلا، قالوا مشعوذا، قالوا أوصافا كثيرة لا تعد.

سحبني ضوء النهار خلفه عندما فتحت الباب الأخير المطل على الحي، رفعت عينيّ لأعلى، رأيت قرص الشمس يخترق المسافات؛ ليرتمي في عينيّ، أبعدت وجهي عن السماء، وتحركت وأنا أغمض عينيّ متصورًا النجاة، ولكن هيهات..

كانت بعض دور ما زالت على شاكلتها القديمة.. تقف ما بين انتصاب وتخاذل وكأنها على استعداد تام أن تنهار لرؤيتي ، بيوت عرفتها وعرفت أهلها منذ سنوات بعيدة ، عشرات وعشرات ، تأملت ملامح الأطفال العابثين في الطرقات أحسست بالغربة ، أحسست أن غيبتي منعتني عنهم كثيرًا ، بعضهم يشق مراحل الرجولة الآن والبعض يأخذ طريقه إلى الفحولة على استحياء ، بنات تجلس أمام الدور المبنية بالطوب اللبني ، ينظرن إلي وأنا أتحرك واضعا يدي فوق عيني كستار حاجب ضد الشمس ، أرى ملامح الفضول في أعينهن ، تلمس إحداهن جارتها وهي تشير إليّ .. أشق طريقي .

، الكل يحدق في متأملين شيخًا كبيرًا مخرفًا كما أعتقد البعض قبل الظهور الغريب لصانع التماثيل..

تهمس إحداهن لجارتها وهي تداري فخذها الظاهر بطرف جلبابها، وترمي من يديها ذكر البط، الذي لا يصدق نجاته من بين أيديها، بينما تهمس أخرى: العجوز خرج.. تميل جارتها إلى أذنيها، تضع جملة ما في الأذن؛ فيتسع فم الفتاة وتنطلق ضحكة مجلجلة.. أهرب من العيون، أحاول أن أتحرر من نفسي تحت جلبابي تقبع آخر كلمات كتبته قبل الخروج، أتلمسها بيدي التي تصطدم بساعة قديمة، أخرجها أنظر فيها محدقا متمنيا أن تكون مضبوطة.. للأسف أرى الحقيقة.. لقد توقفت الساعة! أدرك جيدا ما حدث.. يصدقني شعوري أنه وصل بالفعل وأنه ما انتظرته طوال حياتي.. صانع التماثيل بهيئته وشكله وحياته الماضية يضرب مخيلتي.. أطمئن أنني أمشي ما زلت على قدمين .. أبحث عن نفسي بين قدمي السارتين ..أرى الوجل في العيون المترقبة .. يتوقف الأطفال عن اللعب ، تتوقف النساء عن الهمس .. ترمي إحداهن ماء استحمامها أمام قدمي العاريتين ، وتهنئ نفسها أنها قريبا ربما يحدث لها ما لم يحدث منذ سنوات بمروري على ماء استحمامها؛ قد يجلب لها حلمها بالحمل .. انتشر في الفضاء صوت غريب ، بدأ يتردد بين البيوت سريعًا ،ساحبًا خفاشا من الكلمات المحبوسة منذ سنوات في الحلوق ..

يقترب البعض يهمس، ويبتعد، خطواتي تستمر، تلميذي تركته في البيت خائفا؛ لقد زرعت في قلبه الخوف من صانع التماثيل منذ سنوات عديدة.. خوف غريب كنت أدركه وأعرفه..

الكل بدأ يتململ لفترة .. ثم شاعت الحكاية بخروجي .. مئات الأرجل تتبعني، تنتظر إلى أين أمضي..

خلف البيوت وفي منطقة شاسعة رأيته واقفًا، مادته الأولى بين يديه، يسخنها ويبردها في ماء ساخن وبارد وضعه في صفيحتين متسعتين.. والفتاة تقف أمامه جزلة، يتأملني سكان البلد وأنا أقترب من صانع التماثيل، البعض يقف مبتسمًا، وهو يرى ما يفعله الرجل، بدأ التمثال تتضح معالمه بشدة.. وتظهر للعيون أنه بالفعل ماهر وحاذق في عمله هذا الصانع؛ فالتمثال بدأت تتضح صورته.. أنه طبق الأصل من الفتاة ،بل مستحيل تخيل أنه تمثال فقط، حاولت الاقتراب.. لم أستطع بعد مدة أن أقترب أكثر من هذا..كأن حاجزا غير مرئي فصلني عن الرجل.. أمتار تسمح بالرؤية ولا تسمح بالتحرك، قدمي لا تتحركان وأنا أتابع مثل الجميع إتمامه لعمله..

نقف على الحافة بين الترقب والقدوم ، أحاول التحرك وعندما أدرك الجميع أن التحرك ليس في استطاعتي ..وقفوا مثلي متسمرين ، خائفين من التقدم .. جل الأمر عندما بدأ الليل يقبل مشمرا عن سواده وظلامه .. نظرات العيون تلمع، أمامنا أظلم المكان، بينما ظل حول الصانع ضوءا لا تعرف من أين أتى به والفتاة تقف أمامه.. ويده مستمرة في عملها دون خوف أو قلق.. حاولت أن أخرج من بين ملابسي أوراقا أقرأها ولكنني رحت أتمتم ببعض الأدعية، متمنيا أن أتحرك.. بداخلي وهم كبير يرجوني أن أكف، أن أهاجم.. ولكن عينيّ تسمرتا على وجه الصانع ، والفتاة التي راحت أمامنا تفعل ما جعلنا نصمت في ذهول وهي تخلع ملابسها قطعة بقطعة ، لتقف بعد ثوان عارية أمامنا ، بينما الصانع يحفر تفاصيل جسدها لتمثالها بمنتهي السرعة ،والهدوء ، والليل سادر ، البعض أغمض عينيه ، والبعض زاد تحديقه ، ولكن الدهشة شملتنا كلنا .. أعرف ولا أعرف .. أقدر ولا أقدر.. أحاول التحرر والتحرك لمنعه ، لا أستطيع .. يواصل عمله وضوؤه يلمع في الخلاء.ساعات، وساعات.. بدأ ضوءه يزداد يغشي العيون، لم نستطيع النظر ، عرفت أنه أكتسب بعزلتي طوال السنين قوة لا قبل لي بها ..

أقبل النهار كطفل ضل طريقه إلى الدنيا .. فتحنا أعيننا بصعوبة .. شعرت بيد تربتي على كتفي ، لمحت تلميذي يشير إلي وإلى وقفتي وحيدا ، وقد تفرق الناس من حولي ، وعادوا لبيوتهم ..

أحدق في تلك المنطقة التي كان يصنع بها الرجل تمثاله، لا أثر له ولا لتمثاله بينما البنت عارية تقف..

أقترب وأنا أخلع جلبابي لأداري عريها.. أقترب أكثر وأكثر ، وخلفي تلميذي يحاول أن يلحقني في هرولتي ..

بعد وهلة أقف أمامها وقد تحجرت الدموع في عينيّ، اسمع صرخة من تلميذي الذي لحقني، وراح يخبط على جسد الفتاة الذي أعطى رنينا مجوفا، وتمتم في همس: لقد أنهى صانع التماثيل عمله..

ثم سقط.

لسنوات الآن وعلى أطراف الحي..يتساءل الأبناء الجدد عن العجوز الذي لا يريد الخروج للدنيا مرة أخرى ويعكف في بيته بعد خروجه الأول.. وعن تمثال عار لفتاة يحتل الميدان الرئيسي للبلد ويتساءلون من صانعه .. وعن مجذوب يغطي التمثال ليلا بملابسه وهو يبكي في حرقة ولوعة حبيب..

ولا تأتي الإجابة سوى أن صانع تماثيل قديم زار البلد يوما ما.. وترك تمثالها خلفه وعشقه المجذوب ..

This entry was posted on 7:27 م . You can leave a response and follow any responses to this entry through the الاشتراك في: تعليقات الرسالة (Atom) .

2 التعليقات

رائع اعجبني البوست جدا
يا ريت تقرأ مجتزأ من روايتي على الرابط ده http://baabalshams.blogspot.com/2008/06/blog-post.html

هتعرف ليه بوستك عجبني

الف شكر عزيزتي اسماء عواد
قرأت مجتزأ روايتك وجيد جدا ما قرأته
أتمنى أن تكمليها قريبا
شكرا لك
الف الف شكر
خالص تحياتي

إرسال تعليق