اعتزال بائع الروبا بيكيا ..  

Posted by: محمد إبراهيم محروس

اعتزال بائع الروبابيكيا

تنتابني حالة من الهدوء لرؤيتها ، ملامحها الطفولية ، ابتسامتها العذبة ، الشفتان المكتنزتان عن صفين من الأسنان التي تعتني بهما اعتناء خاصا ، فتشعر بصفاء الضحكة ولمعانها ، أرى وميض عينيها لثوان قبل أن أبتسم في وجهها :- عاملة إيه يا حبيبة ..

تضحك فتتسع ابتسامتها : كويسة ..

حبيبة إحدى بنتين لعم أحمد الشامي ، الأخرى سماح .

البنتان لديهما ما يشبه الإعاقة الذهنية .

حبيبة هي التي تجلب لي السعادة بطريقة ما ، وهي تحمل أشياء في يديها عندما يمر بائع الروبابيكيا / ضاحكة وأنا أقول لها : إيه اللي شيلاه دا ..

- دا الخلاط بتاعنا هبيعه ، تشتري..

- ها ها ها .. وهتبيعيه ليه ، مش شغال .

- شغال بس هبيعه .

يقلب بائع الروبابيكيا في الأشياء ، ويدفع الثمن الذي تحدده ، والذي يعرف أنني سأدفع له ضعفه لأنه عادة لا يزيد عن ثلاثة جنيهات كل مرة .

وكأنني مشترك مع بائع الروبابيكيا وحبيبة في لعبة لا تنتهي ، هو يشتري أشياءها ،وأنا أشتريها منه ، ثم أعيدها لعم أحمد عندما يعود من شغله مكدودا ، مشغول البال على البنتين ..

التي تضحك دائما ، لا تشرب الماء ..تقول إنه ملوث.

التي تضحك دائما ، تدمن الكولا .

التي تضحك دائما ، جسد امرأة وعقل طفلة .

التي تضحك دائما تبيع أطقم المطبخ بصورة شبه يومية .

التي تضحك دائما تتخانق معي ، عندما أعيد الأشياء لعم أحمد .

التي تضحك دائما ، تقول : إنني عبيط ومش فاهم .

التي تضحك دائما ، تجمع كل مجلات سماح لتبيعها .

التي تضحك دائما .. نضحك عليها أنا وبائع الروبابيكيا .

حبيبة التي تضحك دائما ، تغضب مني لأنني أعيد لأبيها الطبق البلاستيك الكبير المخصص للغسيل وهي تقول : إنها شافت فيه صرصار .

أصالحها أحيانا بزجاجة كولا ..

حبيبة التي تضحك دائما ، جاءتني باكية اليوم ، قالت : إن عم أحمد مش عايز يصحى .

أتساءل ، تجيبني :فاتح بقه ومش بيرد علي ، وبديله صفار البيضة مش عايز يبلعه .

يركبني الفزع ، أجري ، أخبط على جارتها لتأتي معي ، أدخل لعم أحمد غرفته ، أحدق في عينيه المفتوحتين ، أتذكر قلقه وكلامه وخوفه على البنتين ، وكلامي معه إنه زمن لا يرحم !

أتذكر سفر سماح مع خالتها من أسبوعين ، ورفض حبيبة للسفر ، أتذكر كل هذا ، وأنا ألمح جلال الموت يطل من عيني عم أحمد ..

أطلب من حبيبة نوتة التليفونات ، أتصل بمعارف عم أحمد ، أنتظر بجواره ، أحلم بأشياء مستحيلة ، أن ترد له الروح ، ليقف ويتحرك ليحضنني وأحضنه .

حبيبة تقف فاغرة الفم ، تمسك البيضة تنتظر أن يفيق ، ليفتح فمه ليأكل .

تهرب الساعات ، أحضر الغسل ، ترانا حبيبة نجهز الكفن ، تذهب بعقلها لتودع عم أحمد في مكان بعيد عن أحلام البشر .

التي كانت تضحك دائما ، جف وجهها وهي تعطي لي البيضة التي ظلت تمسكها بيدها طوال النهار .

حبيبة التي كانت تضحك دائما ، أراها اليوم تجلس أمام بيتها تحتضن طبق الغسيل البلاستيك ، الذي كانت تنقل لنا به الماء أثناء غُسل أبيها ..أسألها : عايزة تبيعيه .

تنهمر الدموع من عينيها وهي تحتضن الطبق بخوف رهيب ..

التي كانت تضحك دائما ، لم تعد تكلمني وتتهمني بأنني سرقت أباها وأخفيته ..

حبيبة التي كانت تضحك دائما خاصمتني للأبد .. ولم أعد أرى بائع الروبابيكيا .


أيام خريفية !!  

Posted by: محمد إبراهيم محروس



منذ فترة أعيش في حالة خمول ، أشعر بأن كل شيء في الحياة قد توقف ودون سبب ، مما أعطاني إحساسا خاصا بالانعزال عن البشر ؛فجأة جاءتني مكالمته لتخرجني من حالتي تلك ، جاء صوته دافئا وهو يقول :-

رأيتها اليوم ، وجدتها ..

استمعت إليه دون أن أصغي تقريبا سوى لوشيش سماعة التليفون ، الذي حاولت إصلاحه منذ فترة وفشلت .. ولكني قلت :- والمطلوب ؟!.

قال من وسط فرحته :- أن تأتي معي إليها ..

حاولت أن أتحجج له بانشغالي في رواية كبيرة أطمح في كتابتها منذ سنوات ، ولكنه ضرب على وتر الأخوة والأحاسيس ، والحب ، والصداقة .. كان يكفيني جنوني عن جنونه ،ولكني قررت النزول ..

كان إحساس الخريف ما يزال يتقمصني ، وأوراق حياتي تمضي إلى هواء راكد يحاول أن يعبث بها بلا جدوى ..

لم تمر ربع ساعة حتى جاءني رنين هاتفي المحمول ، ليخبرني أنه بانتظاري أسفل العمارة ، نزلت.

وجدته واقفا مبتسما يركن بيده على باب سيارته وهو يدعوني أن أدلف إليها سريعا ، وسرعان ما راحت السيارة تقطع شوارع المدينة .. وكانت كلماته تصل إلى وأنا أهزّ رأسي محاولا أن أعيش معه لحظات سعادته ..

- لن تصدق .. أسبوع وأنا أتردد على مكانها ، أنظر إليها من بعيد ، أقترب وأبعد ، أحاول وأتراجع ..

أهز رأسي فيواصل .

_____ ولكنك معي بالتأكيد ؟

أنظر للشوارع التي تختلف في عيني ، والأضواء التي تتراقص متعامدة ، وأميل برأسي وأنا أهمم ..

وهو يكمل ..

- لن تصدق فرحتي بتلك اللحظة عندما وجدتها ، ستة شهور كاملة وأنا أبحث عنها ، لم تتغير في عيني ، وكأني أراها يومها ..

مجنون يسحبني معه ، وأنا أشد جنونًا منه كي أجاريه ..توقفنا بعدة فترة أمام عمارة ضخمة في وسط البلد ، قال :- هنا وجدتها .. هل ما زالت نظرتك لها لم تتغير ..

بلعت ريقي وأنا أقول :- وهل هناك جديد حدث لكي أغير رأيي فيها ؟!..

أشاح بوجهه ونحن نقترب من العمارة وهو يقول :- ولكنك تعرف بالطبع كم تعذبت كي أراها مرة أخري بعدما سافرت ..

أمسكت يده بعنف وأنا أقول :- ماذا تريد مني الآن يا محمد ؟؟

سحب يده وهو يقول :- لا شيء ستدخل معي فقط كي تشجعني ..

كززت على أسناني وأنا أقول :- ألم يقل لك أحد أنك مجنون !

ضحك بعصبية وهو يقول :- كثيرون غيرك قالوها .. ولكني لم أصدقهم بالتأكيد !

قلت وأنا أرى واجهة زجاجية أمامنا بها مئات الصور :- ها أنا أقولها لك مرة أخرى أنت مجنون ، لنرجع .

قال في اقتضاب :- كلا .. ليس الآن ..

أخذت نفسا عميقا وأنا أزفر كلماتي :- خانتك يا صديقي من قبل ، خانتك يوم أن أعطتك جسدها دون زواج وخانتك يوم أن سافرت ، هي عاهرة ، وأنت مجنون ..

غامت عيناه وهو يقول بعصبية :- كلا .. حرام عليك .. انظر ها هي ..

قلت وأنا أتراجع للوراء :- أنت مجنون ..

كان أمامنا خلف الواجهة الزجاجية صورة لها في ثوب زفافها بجانبها ذلك الشيخ العربي الذي أشتراها بفلوسه ، وكانت عيناها واسعتين وثوب الزفاف يظهرها ملاكا يكاد يطير ..

قلت بعد وهلة أحاول فيها استعادة رباط جأشي :- أهذا ما جاءنا لأجله .. يا محمد لنذهب..

قال وعيناه تكادان تخترقان الواجهة :- ولكني أريد هذه الصورة .. من فضلك ساعدني ..

_______ وكيف سنحصل عليها ..

______ سنشتريها من المصور .. بالتأكيد سيوافق .. سنشتريها بأي سعر ..

لم يمهلني وهو يسحب يدي لندخل للمحل ، كانت وجهة نظرنا متعارضة تماما مع المصور الذي رفض أن يعطينا الصورة ، ورفض أن يبعنا إياها ، حاولت إقناع المصور باختراع الأكاذيب التي تبدو مبررة ، بحجة أننا أقرباء لها وصور زفافها ضاعت ونريد نسخة منها أو الصورة الكبيرة التي في الواجهة ، ولكن المصور رفض وقال لتأتي هي أو زوجها ، فمنظر محمد لم يرحه .. والجنون المنطلق من عينيه جعل المصور يصمم على رأيه ..

غادرنا المحل وأنا أسحبه خلفي مترقبا خريف أيام مضت ، ولكنه لم يمهلني وهو يميل إلى الأرض ويتناول حجرا يقذف به الواجهة التي انبثق صوت تحطيم زجاجها مدويًا ، قبل أن يخترق الزجاج الصورة لتظل هي محدقة فينا وقد تمزق ثوب فرحها ، بينما المصور يمسك في محمد بشدة ، وتعالت حولي الأصوات الصارخة لمئات الصور .....


الكون العكسي .. بالمكتبات..العدد الثالث من سلسلتي  

Posted by: محمد إبراهيم محروس








غبي !!  

Posted by: محمد إبراهيم محروس


ألمح ملامح الخوف التي ترتسم على وجهه ، والذي يطالعني به كل صباح ، بعد نظرة مقرفة مني له ، وهو ينظر باتجاهي في بلاهة ، وعيناه نصف مغمضتين وقد شحب وجهه من طول السهر أدقق في وجهه أكثر ، وأكثر ، بعد لحظة أعود من تلك الغيبوبة النفسية لأدرك أنني انظر لنفسي في المرآة ، أضحك ، لعل وجهي المنعكس يضحك بالمثل ، ولكنه يكتفي بنصف ابتسامة غبية ، وكأنه يستخسر الضحك فيّ ، لتكن أنت وأنا وانعكاس ظلي ، ولأحدثك عن نفسي قليلا ربما يوما ، ربما تطالعني صورة أخرى لي في مرآة حياتي ، التي أصابها التشقق، كل ما أنا يعود ، وكل ما أنا يذهب ، وفي نهاية القصة اكتشف أنني ما زلت غبيا أتطلع لغبي آخر تنعكس صورته أمامي في المرآة .. فلأبصق .

رجل لا تعرفه الشوارع ..  

Posted by: محمد إبراهيم محروس



كان يمشي وكأنه يطارد الأرض والسماء، يرقص بين نفسه وحول نفسه يدور في خيالات متعددة لا أراها.. أحاول أن أجتذب شيئا من وعاء الذاكرة الخربة، أجده هناك منزويا في ركن مرّ عليه تسع سنوات.. إنه هاني ..

هكذا رحت أؤكد لنفسي برغم أن ما يلبسه من ملابس لا يمت بصلة لهاني الذي أعرفه .. فقد كان يرتدي قميصا متسخا بشدة، وبنطلونا شبه ممزق، ويبرز جزء من كرشه الضخم وسط قميصه الذي تمزقت أزراره وبدت بطنه عارية أمامي وكرشه كأنه يناطح العالم.. أردت أن أتوقف.. أن أسير.. ولكنه كان ما يزال يواصل الرقص حول نفسه في حيرته من تحديد اتجاه سيره.. بعد مدة بسيطة وجدت صوته يعلو بهتافات غريبة .. وكلمة " أوعى بقى " بصوت عالي تتردد من بين شفتيه بطريقة جعلتني أشك أنه يقصدني.. هل أقترب؟ .. " أوعى بقى "

لممت خيوط نفسي التي أصبحت هي الأخرى ترقص حوله ، أتذكر هاني وابتسامته الرائقة ، وأتذكره عمه أكبر مقاول في بلدتي الصغيرة، أتذكر هاني وهو يجول شوارع المحافظة بعربته الفارهة ، وعندما يرغب في أين يقطع شوارع السلطان حسين مشيا ؛يركن سيارته بجوار الحزب الوطني ،وينزل هو وزوجته الفرنسية يطوفان شوارع المحافظة محلقين كطائرين من السماء ، تسع سنوات مضت ،ولكنها لم تكن بكل تلك الحيرة التي وجدتها لحظة أن التقت عيناي بعينه وهو يصرخ " أوعى بقى "

وفجأة وكأنه يتذكر شيئا ما وهو يتطلع في ملامحي قبل أن يصرخ :- محمد يخرب بيتك أنت لسة عايش ..

أضحك دون سبب ، ربما لأنه بدا لي أشد ذاكرة مني.. أجبته بصوت فرح :- أهو بنحاول يا هاني .. إزيك ..

يضحك وهو يقول بعنف :- أنا كويس خالص ..

يعدل من وضع قميصه الممزق وهو يقول :- معكش حاجة ..

انتبهت للكلمة وأنا أحاول أن أسايره في الحديث لعلي أعرف أين هو من هاني الذي أعرفه ..

فقلت:- حاجة إيه ؟!

مد يده باتجاه جيب قميصي العلوي وأنا أحاول أن أزيح يده برفق وهو يقول:- أوعى بقى..

قلت في هدوء وأنا أترك له جيب قميصي العلوي؛ ليعبث به كيفما أراد، ولكنه توقف وهو يخرج عشرة جنيهات وعلبة السجائر من جيبي قميصي العلوي وهو يقول: بتشرب مستورد.. رايقة معاك باين ..

أضحك وأنا أقول له :- خلي ..

يضع علبة السجائر في جيبه وهو يقول :- طيب ..

أردت أن أساله كيف وصل به الحال لهذه الدرجة ؟!،ولكنه لم يعطني الفرصة وهو يقول :- مش إيمان هربت ..

قلت وأنا أحاول الغوص خلف عينه التي بدت لي شديدة الاتساع : - إيمان مين ؟

يخرج علبه السجائر من جيبه ، ويقدم سيجارة لي وهو يقول :- ولع .. عشان تعرف أن خيري عليك..

ابتسم وأقول :- عارف طول عمرك خيرك على الكل .. بس مقلتش إيمان مين ..

أشعل سيجارة لنفسه وهو يقول :- ما تيجي نقعد ..

انجذبت معه ، وقعدنا على الرصيف نراقب الشارع لفترة..راح ينفث دخان السيجارة الثالثة وهو صامت وبعد وهلة نظر ليّ وهو يقول :- تاخد سيجارة تاني .. خد خد ولع بقى.. اها أنت كنت بتسال عن إيمان .. إيمان مراتي أنت تعرفها باسمها القديم " سيلفي " صح

أقول ببساطة قدر إمكاني :- أها .. سيلفي .. هي سيلفي هي إيمان.. هي هربت ؟

يقول بغضب :- أها هربت أنت مالك .. خدت أحمد وفاطمة وهربت .. بس " سيلفي " أسلمت وبقت إيمان..

أحاول ألا أبدو مندهشا وأنا أقول :- طيب كويس بس هي هربت فين؟ ..

يغمض عينيه ويفتحهما وهو ينظر باتجاهي قائلا :- أنت حشري ليه .. طول عمرك حشري كده .. أوعى بقى ..

أحاول أن أقف فيشد يدي لأجلس بجواره وهو يقول :- رايح فين اقعد .. خد سيجارة أهي .. ولع واقعد ..هي رجعت بلادها تصور .. ست سنين جواز وبعدين تهرب مني .. وخدت العيال أحمد وفاطمة ما أنت عارفهم ..

قلت بهدوء :- وأنت عملت إيه ؟

قال بعنف :- عملت .. عملت كتير .. بلغت البوليس والحكومة ورحت السفارة.. وبلغت الدنيا كلها ..

- هاه وبعدين ..

- قالوا ملناش دعوة .. ها ها ها ..

- طيب وبعدين ؟

قام فجأة وهو ينظر للسيجارة في يده، والسيجارة في يدي، ثم أخرج علبة السجائر من جيبه وقذفها في وجهي وهو يقول:

- أنت بتشرب مستورد .. أوعى بقى أوعى بقى..

وراج يجري وسط الطريق غير عابئ بشي.. بينما تسمرت عيناي عليه حتى اختفى وظل صوته يتردد في أذني صاخبا لفترة طويلة : أوعى بقى .. أوعى بقى ..

أي نيران تطفئ لهيب !!!  

Posted by: محمد إبراهيم محروس




تطوف كما النحلة، تطوف كما الخيال الناضج في دائرة عبثية أحكم حلقاتها أنا.. هي من تكون بداخلي عندما أنوي أن أشرد بعيدا عن كل تعريف أو مسمى ملفوظ بالكتابة، هي من تتغزل حولها كل أشياء، سجائري، ولاعتي، قميصي القديم، حذاء جديد وآخر بال.. هي من ترتسم في ظلها كل الأشياء ، وتهرب من بين جوانبها كل الأشياء سمراء ، بيضاء ، حالمة ، شاردة ، عاقلة ومتغلبة على أموري ، غاضبة وقاتلة ، عاشقة مبتهلة بالدعاء ، وأنثى تتمرد بين جوانحي ، هي اللحظة الآتية الغبية ، واللحظة الماضية الآثمة ، هي أنثاي ، وهي امرأتي ، هي كل الحكاية ، لم أجد بدا ، ولن أجد سوى أن أفيض وأفيض ، أخرج من موال عشقي لأطوف في موال عشقي ، أتنسم هواءها البكر ، وأشارف على الهلاك لمرأى عينيها الساحرتين ، اللتين يخترقان حدودي كل صباح ، من هذه اللحظة التي داومت فيها على الكتابة لم أكن أظن قط ، أن كان من حقي الظن أو انعدامه أنها هناك في ظل الأشياء تبدو في كلف الحقيقة ترسم خطى الشباب ، تنفض على عينيها ألوان الشقاء ، ترسم بسمة تنير الطريق إلى مالا يجب ، أحاول أن أترصد جنون كل الهتافات التالية والمجنونة خلال لحظاتي العقيمة المتواترة ، ولكن دوما أقف وسط التخيبات ، أتخبط ملتويا كالثعبان ، أحاول ، وهي تحاول ، نقف في منتصف الطريق ، ترسم ، وأشخبط / أقف / أعود لأمشي مترنحا، لا أعرف كيف أبث عشقي في حروف ميتة ، في منتصف المسافات بيني وبينها ، في مناطق التيه والعشق والجنون ، في لحظات متعتي وهروبي ، لن أكون ، ولن تكون ، في ظل أشجار لم تخلق بعد ، مع نطفة الحياة .

سائلا، متسائلا، حاولت أن أكون أي.. ولكن بعد لحظة مريضة بالتعصب اكتشفت أن كل لحظاتي تعصب أعمى لها، كل سوابقي في الحب، وكل جرائمي، وكل ذكريات حياتي، كانت لها، هي من اختارت أن تكون لي، وهي من رمت بطريقتي ما لطريقي من نهاية.. حلم بارد متوتر ، حلم فاشل متوتر ، ليل بارد متوتر ، جحيم بارد متوتر ، أي نيران تطفئ لهيب ..

شات...  

Posted by: محمد إبراهيم محروس

http://4.bp.blogspot.com/_Ix0I2K9Fq68/SGq_YaVWMhI/AAAAAAAAAFU/2KYOU7sqpy8/s320/%D8%B9%D8%B7%D8%B1+%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9+2.jpg

لم تكن هيلين هي الوجه المنتظر لي الآن ، فبعد خمس سنوات من تعارفنا خلال "شات" غريب ، لم أتوقع قط أن تقول لي : أنا جاية مصر بكرة ..

توقعت أن أقول كلمة قبيحة ، ولكنني منعت نفسي وقتها وأنا أقول : مفيش مشاكل تشرفي ..

ندمت بعدها أنني أعطيت لها كل المعلومات الضرورية عني من قبل ،وأنني وصفت لها حياتي وصفًا غريبًا ، فما كانت هيلين سوى انبعاث لفكر خاص بيّ ، يدور حولها فلك خاص بها ، ودوما أجد المبرر الكافي لكي لا أقطع علاقتي بها ؛يكفي أن أطرح لنفسي فكرة المنظومة العالمية وأننا في عالم العولمة ، وكنت أفكر وهي تقول ليّ على فترات متقطعة أنها أخيرا سوف تنهي ارتباطات عملها الأخير وسوف تقضي إجازتها في مصر ..كنت أظنها تعبث ، لتزيد شوقي للعبة المميتة عبر النت ، ولكن العبث الذي كانت تقوله أو ما تصورته أنا ، لم يكن عبثًا بل كان حقيقة تقوم هي على تدريب نفسها عليها يومًا بعد يوم ، وكان عليّ أن أتقبل هذا الفعل بصورته الحقيقية ، التزمت الصمت طوال محادثتي مع صديق ليّ كان يستشيرني في مشكلة عاطفية أنها ليست مشكلة بقدر مع هي حالة من التوحد الروحي بينه وبين حبيبته التي قررت أن تغادر عالمه الحقيقي والافتراضي فجأة ؛لتصيبه بالتخبط ، وكان لزاما عليّ أن أطرح مشكلة هيلين جانبا وأنتبه لصديقي وهو يقول ليّ عن حبيبته العراقية التي يعرف أنني أعرفها ربما أكثر منه ، وإنها ستأتي إلى مصر كما تأتي دوما ، كل صيف وأنه يجهز نفسه لزواجه بها ،ولكنها قررت اليوم أن تقطع حبل علاقتهما الممتد منذ ثلاث سنوات ، فهي لا ترغب في أن تظل الحكاية مجرد لقاءات عبر "شات" أو مجرد قبل مرسومة ، ولم يكن أمام صديقي سوى محاولة وحيدة وهي الزج بي في طريقها لمعرفتها الوثيقة بي ، ولكنه اختار وقتًا كان كابوسيًا بالنسبة ليّ ، ففي هذا الوقت تحديدًا قررت هيلين مفاجأتي بقراراتها المجنونة دوما . لفترة كما يدور في عالم "الشات" الافتراضي ظننت هيلين رجلا يداعب خيالي بصورة أنثى مثيرة ، ولكني ، بعد فترة وخلال صديق مقيم لي في ايطاليا ، وبعنوان منزلها الذي صادف أنه يقع في المنطقة السكنية التي يقيم بها قال لي بعدها إنني وقعت على كنز .. وإنها أنثى بكل ما في الكلمة من معنى ..

الآن علي أن أعود إلى نفسي قليلا ، لأرتب الأفكار كلها ، لأرمي الحياة الافتراضية إلى عالم الواقع لتحاربه ، لأختار لنفسي تلك الشخصية التي رحت أزرعها في عقل هيلين لمدة خمس سنوات ، وكم كان من الصعب أن يحدث هذا بالطبع ،لم أكن مراهقا لأصف لها نفسي بالطويل العريض ، المصري الفرعوني ، كما يحدث في فيلم خائب فهي رأت مئات الصور لي ، وأنا بالمثل أحتفظ بمئات الصور لها على جهازي ، ما زلت مشكلة صديقي وحبيبته العراقية تشغل تفكيري ، وما زال في عقلي يدور وهم خاص بهيلين ، هل يجب أن أنتظرها في المطار اليوم ، وهل سوف أبدو أمامها حقا المصري الطيب الرقيق ، أم أن أنوثتها الطاغية قد تجعلني أفكر أن أخوض معها تجربة خاصة ، لمزج الدماء ، وحتى لا أخيب المصريين في ، وأضرب السياحة كما كان يقولها محمد صبحي في مسرحيته ، هييه أجيبشن هيبوسني هييييه ..

يزيد الخيال المريض من أحلامي؛ ليجعلني مقررًا وحيدًا لأحداث الآخر، الذي يبعد عندي آلاف الكيلومترات ، فهل يتصورون أنني أملك حقّا حلولا جاهزة لكم المشاكل التي يطرحونها حولي ، عالم الشات ما زال مفزعًا وغريبًا ، ينتظرني على بابه بعبع خاص ، فتاة ربيعية سورية حدثتها مرات عديدة عن نفسي لدرجة بدأت أشك بعدها أنها تقرأني ككتاب مفتوح ، وصديق صاحب مجموعة قصصية يصر أن يأخذ رأيي فيها ودوما أخاف أن أقول له إنهم يخدعونك بالتصفيق .. صديق يرسل لي روايته كي أراجعها له ، فتاة ترمي بنفسها في العشق وتزعم أنني الوحيد الذي يستطيع انتشالها ، أبواب ملعونة وغريبة يفرضها واقعي الافتراضي ،برغم أنه لا يفرق كثيرا عن الواقع الحقيقي بكل ملابساته وعجائبيته ، ألزم الصمت مع نفسي بعض الوقت وأقرر ألاّ أفتح الشات اليوم ، فسوف أغلق أبواب هذا الشات للأبد ، كلا من الصعوبة أن أتخلص من الشات بهذه السهولة .. فهناك أطراف كثيرون ارتبطت بهم وارتبطوا بي ، فمن الصعوبة والجبن أن أختفي هكذا لمجرد أن هيلين قررت أن تأتي مصر ، لتأتي هيلين وكل هواجس الغرب ولعناته ، ولكن لن أتخلى عن وحدتي أمام جهازي ، تلك الوحدة التي حاولت أن أتخلى عنها مرة ؛لأكتشف بعدها أنها الشيء الوحيد الحقيقي والذي يدعو للاطمئنان.. صوت صديقي يأتيني في عالم الحلم، لن تعود ليّ أنا واثق، وأكرر له في ثقة غريبة أنها ستعود، وأقول له في حماسة غريبة هل خاب رأيي أو استشارتي من قبل؟!.. يغمغم بلا ، ويزداد ثقته أن صديقته ستعود إليه ، بينما تتزحزح ثقتي في استشاراتي وحياتي نفسها .. هيلين ترمي بأوراقها في الملعب وعليّ أن أكون أنا .. فهل هذا صعب؟!..

ألملم أوراقا مبعثرة أمامي وأستخرج صورة هيلين التي طبعتها منذ مدة ،واحتفظ بها في محفظتي ، لأريها لأصدقائي " متفشخرا" " ومفشخرا" بمعرفتي بها ، وسط ذهولهم وإصرارهم أنني سارقها من شخص أجنبي ، وسط ضحكات كثيرة ، الآن علي أن أقدم لهم هيلين بكل حقيقتها وبكل أنوثتها وعلي أن أقول للجميع : ها أنا ذا فعلتها ، جلبت امرأة أوربية إلى حضن ثقافتي المصرية العريقة ..أنا فحل مصري ...

تضحكنني التصورات الآن وأنا أقف في صالة الانتظار، على شفتي ابتسامة رائقة غريبة، ابتسامة متحفظة..

بعد دقائق قليلة كانت هيلين ترتمي في حضني وتطبع قبلة على خدي ، وأنا أضحك بهسترية غريبة ، كانت أجمل مما تخيلت بمراحل .. هممت أن أخطفها من يدها وأجري ، وأجري ، قبل أن تربت على يدي في نعومة قائلة بلغتها : - انتظر قليلا .. البرت ينهي إجراءات الوصول وسيأتي بالحقائب ..

لا تضحك من فضلك .." من أين ليّ أن أعرف أنها تصحب " البوي فرند" معها ..اللعنة !

قالت زوجتي وهي تربت على كتفي لأنتبه :- هما الاتنين هيناموا مع بعض في أوضة واحدة ..

أجبتها ضاحكا : بالطبع لأ هيلين ستنام معاكي .. وعلي أنا أن أخد البرت في حضني ..

وانطلقت ضحكتي صاخبة في وجه زوجتي التي تعرف أنني مجنون تماما.. بينما ظل سؤال حائر داخلي..

هل أتوقف عن الشات ...