الكون العكسي .. بالمكتبات..العدد الثالث من سلسلتي  

Posted by: محمد إبراهيم محروس








غبي !!  

Posted by: محمد إبراهيم محروس


ألمح ملامح الخوف التي ترتسم على وجهه ، والذي يطالعني به كل صباح ، بعد نظرة مقرفة مني له ، وهو ينظر باتجاهي في بلاهة ، وعيناه نصف مغمضتين وقد شحب وجهه من طول السهر أدقق في وجهه أكثر ، وأكثر ، بعد لحظة أعود من تلك الغيبوبة النفسية لأدرك أنني انظر لنفسي في المرآة ، أضحك ، لعل وجهي المنعكس يضحك بالمثل ، ولكنه يكتفي بنصف ابتسامة غبية ، وكأنه يستخسر الضحك فيّ ، لتكن أنت وأنا وانعكاس ظلي ، ولأحدثك عن نفسي قليلا ربما يوما ، ربما تطالعني صورة أخرى لي في مرآة حياتي ، التي أصابها التشقق، كل ما أنا يعود ، وكل ما أنا يذهب ، وفي نهاية القصة اكتشف أنني ما زلت غبيا أتطلع لغبي آخر تنعكس صورته أمامي في المرآة .. فلأبصق .

رجل لا تعرفه الشوارع ..  

Posted by: محمد إبراهيم محروس



كان يمشي وكأنه يطارد الأرض والسماء، يرقص بين نفسه وحول نفسه يدور في خيالات متعددة لا أراها.. أحاول أن أجتذب شيئا من وعاء الذاكرة الخربة، أجده هناك منزويا في ركن مرّ عليه تسع سنوات.. إنه هاني ..

هكذا رحت أؤكد لنفسي برغم أن ما يلبسه من ملابس لا يمت بصلة لهاني الذي أعرفه .. فقد كان يرتدي قميصا متسخا بشدة، وبنطلونا شبه ممزق، ويبرز جزء من كرشه الضخم وسط قميصه الذي تمزقت أزراره وبدت بطنه عارية أمامي وكرشه كأنه يناطح العالم.. أردت أن أتوقف.. أن أسير.. ولكنه كان ما يزال يواصل الرقص حول نفسه في حيرته من تحديد اتجاه سيره.. بعد مدة بسيطة وجدت صوته يعلو بهتافات غريبة .. وكلمة " أوعى بقى " بصوت عالي تتردد من بين شفتيه بطريقة جعلتني أشك أنه يقصدني.. هل أقترب؟ .. " أوعى بقى "

لممت خيوط نفسي التي أصبحت هي الأخرى ترقص حوله ، أتذكر هاني وابتسامته الرائقة ، وأتذكره عمه أكبر مقاول في بلدتي الصغيرة، أتذكر هاني وهو يجول شوارع المحافظة بعربته الفارهة ، وعندما يرغب في أين يقطع شوارع السلطان حسين مشيا ؛يركن سيارته بجوار الحزب الوطني ،وينزل هو وزوجته الفرنسية يطوفان شوارع المحافظة محلقين كطائرين من السماء ، تسع سنوات مضت ،ولكنها لم تكن بكل تلك الحيرة التي وجدتها لحظة أن التقت عيناي بعينه وهو يصرخ " أوعى بقى "

وفجأة وكأنه يتذكر شيئا ما وهو يتطلع في ملامحي قبل أن يصرخ :- محمد يخرب بيتك أنت لسة عايش ..

أضحك دون سبب ، ربما لأنه بدا لي أشد ذاكرة مني.. أجبته بصوت فرح :- أهو بنحاول يا هاني .. إزيك ..

يضحك وهو يقول بعنف :- أنا كويس خالص ..

يعدل من وضع قميصه الممزق وهو يقول :- معكش حاجة ..

انتبهت للكلمة وأنا أحاول أن أسايره في الحديث لعلي أعرف أين هو من هاني الذي أعرفه ..

فقلت:- حاجة إيه ؟!

مد يده باتجاه جيب قميصي العلوي وأنا أحاول أن أزيح يده برفق وهو يقول:- أوعى بقى..

قلت في هدوء وأنا أترك له جيب قميصي العلوي؛ ليعبث به كيفما أراد، ولكنه توقف وهو يخرج عشرة جنيهات وعلبة السجائر من جيبي قميصي العلوي وهو يقول: بتشرب مستورد.. رايقة معاك باين ..

أضحك وأنا أقول له :- خلي ..

يضع علبة السجائر في جيبه وهو يقول :- طيب ..

أردت أن أساله كيف وصل به الحال لهذه الدرجة ؟!،ولكنه لم يعطني الفرصة وهو يقول :- مش إيمان هربت ..

قلت وأنا أحاول الغوص خلف عينه التي بدت لي شديدة الاتساع : - إيمان مين ؟

يخرج علبه السجائر من جيبه ، ويقدم سيجارة لي وهو يقول :- ولع .. عشان تعرف أن خيري عليك..

ابتسم وأقول :- عارف طول عمرك خيرك على الكل .. بس مقلتش إيمان مين ..

أشعل سيجارة لنفسه وهو يقول :- ما تيجي نقعد ..

انجذبت معه ، وقعدنا على الرصيف نراقب الشارع لفترة..راح ينفث دخان السيجارة الثالثة وهو صامت وبعد وهلة نظر ليّ وهو يقول :- تاخد سيجارة تاني .. خد خد ولع بقى.. اها أنت كنت بتسال عن إيمان .. إيمان مراتي أنت تعرفها باسمها القديم " سيلفي " صح

أقول ببساطة قدر إمكاني :- أها .. سيلفي .. هي سيلفي هي إيمان.. هي هربت ؟

يقول بغضب :- أها هربت أنت مالك .. خدت أحمد وفاطمة وهربت .. بس " سيلفي " أسلمت وبقت إيمان..

أحاول ألا أبدو مندهشا وأنا أقول :- طيب كويس بس هي هربت فين؟ ..

يغمض عينيه ويفتحهما وهو ينظر باتجاهي قائلا :- أنت حشري ليه .. طول عمرك حشري كده .. أوعى بقى ..

أحاول أن أقف فيشد يدي لأجلس بجواره وهو يقول :- رايح فين اقعد .. خد سيجارة أهي .. ولع واقعد ..هي رجعت بلادها تصور .. ست سنين جواز وبعدين تهرب مني .. وخدت العيال أحمد وفاطمة ما أنت عارفهم ..

قلت بهدوء :- وأنت عملت إيه ؟

قال بعنف :- عملت .. عملت كتير .. بلغت البوليس والحكومة ورحت السفارة.. وبلغت الدنيا كلها ..

- هاه وبعدين ..

- قالوا ملناش دعوة .. ها ها ها ..

- طيب وبعدين ؟

قام فجأة وهو ينظر للسيجارة في يده، والسيجارة في يدي، ثم أخرج علبة السجائر من جيبه وقذفها في وجهي وهو يقول:

- أنت بتشرب مستورد .. أوعى بقى أوعى بقى..

وراج يجري وسط الطريق غير عابئ بشي.. بينما تسمرت عيناي عليه حتى اختفى وظل صوته يتردد في أذني صاخبا لفترة طويلة : أوعى بقى .. أوعى بقى ..

أي نيران تطفئ لهيب !!!  

Posted by: محمد إبراهيم محروس




تطوف كما النحلة، تطوف كما الخيال الناضج في دائرة عبثية أحكم حلقاتها أنا.. هي من تكون بداخلي عندما أنوي أن أشرد بعيدا عن كل تعريف أو مسمى ملفوظ بالكتابة، هي من تتغزل حولها كل أشياء، سجائري، ولاعتي، قميصي القديم، حذاء جديد وآخر بال.. هي من ترتسم في ظلها كل الأشياء ، وتهرب من بين جوانبها كل الأشياء سمراء ، بيضاء ، حالمة ، شاردة ، عاقلة ومتغلبة على أموري ، غاضبة وقاتلة ، عاشقة مبتهلة بالدعاء ، وأنثى تتمرد بين جوانحي ، هي اللحظة الآتية الغبية ، واللحظة الماضية الآثمة ، هي أنثاي ، وهي امرأتي ، هي كل الحكاية ، لم أجد بدا ، ولن أجد سوى أن أفيض وأفيض ، أخرج من موال عشقي لأطوف في موال عشقي ، أتنسم هواءها البكر ، وأشارف على الهلاك لمرأى عينيها الساحرتين ، اللتين يخترقان حدودي كل صباح ، من هذه اللحظة التي داومت فيها على الكتابة لم أكن أظن قط ، أن كان من حقي الظن أو انعدامه أنها هناك في ظل الأشياء تبدو في كلف الحقيقة ترسم خطى الشباب ، تنفض على عينيها ألوان الشقاء ، ترسم بسمة تنير الطريق إلى مالا يجب ، أحاول أن أترصد جنون كل الهتافات التالية والمجنونة خلال لحظاتي العقيمة المتواترة ، ولكن دوما أقف وسط التخيبات ، أتخبط ملتويا كالثعبان ، أحاول ، وهي تحاول ، نقف في منتصف الطريق ، ترسم ، وأشخبط / أقف / أعود لأمشي مترنحا، لا أعرف كيف أبث عشقي في حروف ميتة ، في منتصف المسافات بيني وبينها ، في مناطق التيه والعشق والجنون ، في لحظات متعتي وهروبي ، لن أكون ، ولن تكون ، في ظل أشجار لم تخلق بعد ، مع نطفة الحياة .

سائلا، متسائلا، حاولت أن أكون أي.. ولكن بعد لحظة مريضة بالتعصب اكتشفت أن كل لحظاتي تعصب أعمى لها، كل سوابقي في الحب، وكل جرائمي، وكل ذكريات حياتي، كانت لها، هي من اختارت أن تكون لي، وهي من رمت بطريقتي ما لطريقي من نهاية.. حلم بارد متوتر ، حلم فاشل متوتر ، ليل بارد متوتر ، جحيم بارد متوتر ، أي نيران تطفئ لهيب ..

شات...  

Posted by: محمد إبراهيم محروس

http://4.bp.blogspot.com/_Ix0I2K9Fq68/SGq_YaVWMhI/AAAAAAAAAFU/2KYOU7sqpy8/s320/%D8%B9%D8%B7%D8%B1+%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9+2.jpg

لم تكن هيلين هي الوجه المنتظر لي الآن ، فبعد خمس سنوات من تعارفنا خلال "شات" غريب ، لم أتوقع قط أن تقول لي : أنا جاية مصر بكرة ..

توقعت أن أقول كلمة قبيحة ، ولكنني منعت نفسي وقتها وأنا أقول : مفيش مشاكل تشرفي ..

ندمت بعدها أنني أعطيت لها كل المعلومات الضرورية عني من قبل ،وأنني وصفت لها حياتي وصفًا غريبًا ، فما كانت هيلين سوى انبعاث لفكر خاص بيّ ، يدور حولها فلك خاص بها ، ودوما أجد المبرر الكافي لكي لا أقطع علاقتي بها ؛يكفي أن أطرح لنفسي فكرة المنظومة العالمية وأننا في عالم العولمة ، وكنت أفكر وهي تقول ليّ على فترات متقطعة أنها أخيرا سوف تنهي ارتباطات عملها الأخير وسوف تقضي إجازتها في مصر ..كنت أظنها تعبث ، لتزيد شوقي للعبة المميتة عبر النت ، ولكن العبث الذي كانت تقوله أو ما تصورته أنا ، لم يكن عبثًا بل كان حقيقة تقوم هي على تدريب نفسها عليها يومًا بعد يوم ، وكان عليّ أن أتقبل هذا الفعل بصورته الحقيقية ، التزمت الصمت طوال محادثتي مع صديق ليّ كان يستشيرني في مشكلة عاطفية أنها ليست مشكلة بقدر مع هي حالة من التوحد الروحي بينه وبين حبيبته التي قررت أن تغادر عالمه الحقيقي والافتراضي فجأة ؛لتصيبه بالتخبط ، وكان لزاما عليّ أن أطرح مشكلة هيلين جانبا وأنتبه لصديقي وهو يقول ليّ عن حبيبته العراقية التي يعرف أنني أعرفها ربما أكثر منه ، وإنها ستأتي إلى مصر كما تأتي دوما ، كل صيف وأنه يجهز نفسه لزواجه بها ،ولكنها قررت اليوم أن تقطع حبل علاقتهما الممتد منذ ثلاث سنوات ، فهي لا ترغب في أن تظل الحكاية مجرد لقاءات عبر "شات" أو مجرد قبل مرسومة ، ولم يكن أمام صديقي سوى محاولة وحيدة وهي الزج بي في طريقها لمعرفتها الوثيقة بي ، ولكنه اختار وقتًا كان كابوسيًا بالنسبة ليّ ، ففي هذا الوقت تحديدًا قررت هيلين مفاجأتي بقراراتها المجنونة دوما . لفترة كما يدور في عالم "الشات" الافتراضي ظننت هيلين رجلا يداعب خيالي بصورة أنثى مثيرة ، ولكني ، بعد فترة وخلال صديق مقيم لي في ايطاليا ، وبعنوان منزلها الذي صادف أنه يقع في المنطقة السكنية التي يقيم بها قال لي بعدها إنني وقعت على كنز .. وإنها أنثى بكل ما في الكلمة من معنى ..

الآن علي أن أعود إلى نفسي قليلا ، لأرتب الأفكار كلها ، لأرمي الحياة الافتراضية إلى عالم الواقع لتحاربه ، لأختار لنفسي تلك الشخصية التي رحت أزرعها في عقل هيلين لمدة خمس سنوات ، وكم كان من الصعب أن يحدث هذا بالطبع ،لم أكن مراهقا لأصف لها نفسي بالطويل العريض ، المصري الفرعوني ، كما يحدث في فيلم خائب فهي رأت مئات الصور لي ، وأنا بالمثل أحتفظ بمئات الصور لها على جهازي ، ما زلت مشكلة صديقي وحبيبته العراقية تشغل تفكيري ، وما زال في عقلي يدور وهم خاص بهيلين ، هل يجب أن أنتظرها في المطار اليوم ، وهل سوف أبدو أمامها حقا المصري الطيب الرقيق ، أم أن أنوثتها الطاغية قد تجعلني أفكر أن أخوض معها تجربة خاصة ، لمزج الدماء ، وحتى لا أخيب المصريين في ، وأضرب السياحة كما كان يقولها محمد صبحي في مسرحيته ، هييه أجيبشن هيبوسني هييييه ..

يزيد الخيال المريض من أحلامي؛ ليجعلني مقررًا وحيدًا لأحداث الآخر، الذي يبعد عندي آلاف الكيلومترات ، فهل يتصورون أنني أملك حقّا حلولا جاهزة لكم المشاكل التي يطرحونها حولي ، عالم الشات ما زال مفزعًا وغريبًا ، ينتظرني على بابه بعبع خاص ، فتاة ربيعية سورية حدثتها مرات عديدة عن نفسي لدرجة بدأت أشك بعدها أنها تقرأني ككتاب مفتوح ، وصديق صاحب مجموعة قصصية يصر أن يأخذ رأيي فيها ودوما أخاف أن أقول له إنهم يخدعونك بالتصفيق .. صديق يرسل لي روايته كي أراجعها له ، فتاة ترمي بنفسها في العشق وتزعم أنني الوحيد الذي يستطيع انتشالها ، أبواب ملعونة وغريبة يفرضها واقعي الافتراضي ،برغم أنه لا يفرق كثيرا عن الواقع الحقيقي بكل ملابساته وعجائبيته ، ألزم الصمت مع نفسي بعض الوقت وأقرر ألاّ أفتح الشات اليوم ، فسوف أغلق أبواب هذا الشات للأبد ، كلا من الصعوبة أن أتخلص من الشات بهذه السهولة .. فهناك أطراف كثيرون ارتبطت بهم وارتبطوا بي ، فمن الصعوبة والجبن أن أختفي هكذا لمجرد أن هيلين قررت أن تأتي مصر ، لتأتي هيلين وكل هواجس الغرب ولعناته ، ولكن لن أتخلى عن وحدتي أمام جهازي ، تلك الوحدة التي حاولت أن أتخلى عنها مرة ؛لأكتشف بعدها أنها الشيء الوحيد الحقيقي والذي يدعو للاطمئنان.. صوت صديقي يأتيني في عالم الحلم، لن تعود ليّ أنا واثق، وأكرر له في ثقة غريبة أنها ستعود، وأقول له في حماسة غريبة هل خاب رأيي أو استشارتي من قبل؟!.. يغمغم بلا ، ويزداد ثقته أن صديقته ستعود إليه ، بينما تتزحزح ثقتي في استشاراتي وحياتي نفسها .. هيلين ترمي بأوراقها في الملعب وعليّ أن أكون أنا .. فهل هذا صعب؟!..

ألملم أوراقا مبعثرة أمامي وأستخرج صورة هيلين التي طبعتها منذ مدة ،واحتفظ بها في محفظتي ، لأريها لأصدقائي " متفشخرا" " ومفشخرا" بمعرفتي بها ، وسط ذهولهم وإصرارهم أنني سارقها من شخص أجنبي ، وسط ضحكات كثيرة ، الآن علي أن أقدم لهم هيلين بكل حقيقتها وبكل أنوثتها وعلي أن أقول للجميع : ها أنا ذا فعلتها ، جلبت امرأة أوربية إلى حضن ثقافتي المصرية العريقة ..أنا فحل مصري ...

تضحكنني التصورات الآن وأنا أقف في صالة الانتظار، على شفتي ابتسامة رائقة غريبة، ابتسامة متحفظة..

بعد دقائق قليلة كانت هيلين ترتمي في حضني وتطبع قبلة على خدي ، وأنا أضحك بهسترية غريبة ، كانت أجمل مما تخيلت بمراحل .. هممت أن أخطفها من يدها وأجري ، وأجري ، قبل أن تربت على يدي في نعومة قائلة بلغتها : - انتظر قليلا .. البرت ينهي إجراءات الوصول وسيأتي بالحقائب ..

لا تضحك من فضلك .." من أين ليّ أن أعرف أنها تصحب " البوي فرند" معها ..اللعنة !

قالت زوجتي وهي تربت على كتفي لأنتبه :- هما الاتنين هيناموا مع بعض في أوضة واحدة ..

أجبتها ضاحكا : بالطبع لأ هيلين ستنام معاكي .. وعلي أنا أن أخد البرت في حضني ..

وانطلقت ضحكتي صاخبة في وجه زوجتي التي تعرف أنني مجنون تماما.. بينما ظل سؤال حائر داخلي..

هل أتوقف عن الشات ...



المرور بتأشيرة مزورة..  

Posted by: محمد إبراهيم محروس

The image “http://www.aleshteraki.net/images/articles/kanafany2.jpg” cannot be displayed, because it contains errors.

المرور بتأشيرة مزورة ...

لم تكن اللحظة كما نتوجها دائما بكلامنا أنها لحظة شبقة للتطور ، كل ما هنالك أن مزاعم القرية قد طالها النسيان ، فلم تعد القصص المنثورة على صفحات جباه رجالها تشغل أي أحد من ساكنيها ، بمجرد مرور الوقت وتأخر ظهور القمر لأيام ؛حتى دارت إشاعات غامضة مريبة أن هناك من يقدم القرية وبيده مفاتيح كنوزها المخبوءة منذ آلاف السنين في باطن جبلها .. عاد أحد شبابها المنزوي غريبا في القاهرة يقول إن هناك لجنة خاصة تم إنشاؤها لمراعاة ظروف القرية، وأن هناك شخصا ما سيزور القرية عما قريب.. من بيت لبيت وبخبطات أياد طفولية ، وبهمسات شفاه راحت تنتشر الأقاويل ..

في حينا المنزوي بعيدا عن أخبار الحياة والعاصمة ، جلست ، أشعل ركية النار ، ورحت ألقمها "قوالح " ذرة متيبسة ، لتزيد الجمرات من اشتعالها ، لم يكن لدي مبرر للجلوس في هذه الظلمة سوى انتظار ظهور القمر الذي اختفى لعدة أيام تحت عباءة مظلمة من التراكم الرمادي ..

بيد حالمة ، وبيد صغيرة ، راحت ابنتي تناولني المزيد من " القوالح ".. رصصت حجرا من المعسل ورحت أعبئ الجو بدخان أزرق بعد أن استخرجت من بين ملابسي قطعة " حشيش " أطعم بها حجر " الجوزة" بين فترة وأخرى ، لم أهتم حقيقة لاهتزاز رأس الصغيرة وتمايلها ، ولكني ربتت على وجهها ، وأنا أشير لها بأن تدخل لتكمل نومها ، أعتدت حكايات القرية ، وما يأتي أحيانا من هلاوس تجيء من بطون كتب صفراء تعود أهل بلدتي على توارثها ..

كل العبث أن يقطع أحد خلوتي الآن ليرمي في أذني أن هناك شخصية مهمة سوف تجيء لقريتنا قريبا ، وأنها ستنير الطريق أمام كل أبناء البلد ، لم أعتد الثقة بالكلمات والوعود المرتبطة بالمسئولين .. ولكنني أشرت لعبد الباسط خفير الدرك الذي أخبرني بالأمر أن يجلس، سند بندقيته بجانبه، وراح يتناول مني بوصة الغاب، لينفث دخانا أزرق من بين شفتيه ، وهو يترحم على عمدة البلد السابق الذي كان لا يخلو داره من أجود الأصناف، قال إن الصنف هذه الأيام مضروب.. وإن الحكومة تغش الصنف..

ضحكت لمقولته ، ولاتهامه الذي أظن أن معظمه باطلا ، ولكنه أقسم بمجيء المسئول الكبير ورأس العمدة السابق أنه كان يأخذ تموينه من الصنف من النقطة ، عندما علم العمدة أن له في الكيف ..

برغم أنني استغربت الأمر بعد الشيء، ولكنني أعتدت أن أقابل كلام أهل بلدتي بالإنصات، حاولت أن أتذكر متى ضربت أول نفسين من " الحشيش " في حياتي، ولكنني فشلت، وكأنما ولدت وأنا أدخنه..

تصاعدت الأدخنة ، ومع غياب القمر ، راحت رؤى مختلفة تثمر وتنمو بداخلي ، لتعطي شجرة وارفة من التخيلات ، منذ سنوات أيضا قالوا نفس مقولته عن زيارة رجل كبير للبلدة ، وقاموا بعد الدور وحصرها ، وتزين الطرقات وفرشها بالرمل ، ولكن الرجل الكبير لم يدخل البلدة من بابها الشرقي يومها ولا الغربي ، دخلها من حدود المحافظة ، ومن مكتب المحافظ نفسه أخذ مكافأة الزيارة وهنأ المحافظ على جمال بلدتنا وجمال شعور أهلها .. وعندما علمنا بهذا الأمر وزع حسن جاموسته التي ذبحها تيمنا بوصول الرجل الكبير على كلاب البلد وذئابها، وهو يلطم حظه العاثر بعدم قدوم الرجل.. من يومها تمر الوعود على قريتنا كمر السحاب، ولكنه سحاب مجدب غير ممطر..تظل الوعود وعودا، هكذا الحال..

وجدت نفسي منتشيا دون أن أعرف لماذا، زدت من ضحكاتي برغمي، طبطبت على كتف عبد الباسط الذي كان منتشيا بالمثل، وهمست له أن يعطيني بندقيته، ناولها لي في لامبالاة، نظرت إليها كثيرا قبل أن يقول هو: إنها قطعة خشب أتظن أنها بندقية حقيقية..الحكومة تمنعنا من الضرب بالرصاص..

ضحكت وأنا أقول : لماذا تحملها إذن ؟!

أجابني من وسط أسنان اصفرت:لأهش بها الذباب..أتريدني أن أمشي في البلد دون بندقية..

اختفاء سيدة العبوس..  

Posted by: محمد إبراهيم محروس

http://alcooool.jeeran.com/gb%5B1%5D.gif



لا أكذبك خبرا الآن أن كل ما سوف أطرحه عليك كله كذب، ولكنني مجبر يا ... على أن تصدقني إذا كنت تريد للافعال أن تستمر وللأقوال ان تتضح ..
عبر جزيرة في قلب محيط عظيم ، لا ليست هذه الحقيقة .
عبر جسر يقطعه المارة في ضوء الليل ، وتفترش النجوم السماء ، كلا كذب .
عبرمخططات سرية لحكماء يحلمون أن يحكموا العالم ، مجرد افتراء .
عبر ليل بهيمي ترعى الأبل فيه ، في صحراء تظللها الرمال والريح ، هلوسة كاذب .
ليس أكثر صدقا من الكاذب أنا حين أقول كانت هي البداية .
هي عندما استيقظت صبيحة يوم ما ، وقد وجدت ابتسامة تحتل وجهها بلا أدني خوف من غد ، ودون تردد حاولت أن تكبح تلك الابتسامة وأن تطلق عبوسها الدائم المشهورة به ، والذي أعطاها اللقب بين النساء بسيدة العبوس الأولى .
كل هذا راح صبيحة ذلك اليوم عندما ضبطت نفسها متلبسة بجريمة الضحك .
قال أطفال الحي والمنطقة إن سيدة العبوس قد أصابها الخبل أنها اليوم تضحك وباستمرار رهيب .
حاولت أن تختفي على العيون حتّى لا يتسرب خبر ضحكها بين الناس ، وتضيع تلك التكشيرة المعروفة والمحفوظة في الصدور منذ سنوات عديدة .
لا تذكر متى بالضبط أخذت التكشيرة مكانها المميز في وجهها ، كل ما تعرفه وتدركه بحق أنها يوما ما ، أصبحت كمثل هذا اليوم وقد تقطب جبينها ورسمت شفاهها صورة حزينة على الوجه .
حتى عندما ضافت السنوات على الأطفال تعطي لكل واحد منهم عمرا فوق عمره ، وتسربت السنون لتحملهم بعبء الحياة ظلت هي على شكلها دون تغيير ، كل شيء يمضي إلا تكشيرتها وعبوسها اليومي .. الشمس تشرق لتغرب وعبوسها مستمر ، الأطفال يمرحون ويتقلبون في شواطىء النهر وهي تلقف ضحكاتهم بوجه عبوس ، يدخل التلفزيون المدينة وتنتشر المسرحيات الهزلية بين الناس ، وتظل هي دوما عبوس .
كل شيء يمضي بطريقته كيفما أراد ، الضحك حولها يتزايد يوما بعد يوم وهي تلبس ثوب الحزن دون مآتم جديدة، يوم أن مات زوجها كمدا وحزنا لأنه لم ير في حياته لمع ابتسامة على شفتيها أدركت أن الأمر فوق طاقتها وخلف أي احتمال للتزوير ، بابتسامة زائفة .
اليوم تختفي عن الرقباء والمتسللين خلفها لتخفي تلك الأبتسامة الرائقة التي انتشرت في وجهها ، والتي ازعجتها بقدر ما أزعجها تسرب الضحكات من بين شفتيها .
قال الأطفال الذين لمحوا ابتسامتها إن سر الأمر كله هناك خلف ذلك الرجل الذي قدم المدينة متأخرا خمسين عاما وهو يحمل على ظهره صندوقا قديما متهالكا ، به خيال ظل ، وبه اراجوازات ، وبه أكثر من هذا دمى تحمل ابتسامات ، والأكيد أنه يحمل ذلك الصندوق القديم الذي كان يعرف باسم صندوق الدنيا ، وأن سيدة العبوس ليلة أمس عندما كانت عائدة من زيارتها اليومية للمقابر ، رأتها والأطفال حوله يتشقلبون ويقومون بحركات هزلية وهم يضحكون على رجل جاء متأخرا خمسين سنة على الأقل .. وهجم الأطفال واحدا أثر الآخر في محاولة لاكتشاف سر الصندوق العجيب وارتمت عيونهم عليه وأخذوا يحدقون دهشا مما يعرض بداخل الصندوق فما رأوه كان يفوق خيالاتهم ونشرات الأخبار والقنوات المفتوحة والمشفرة . كانت شيئا جديدا قديما لا تستطيع أن تعطي له تمييزا حقيقيا ، ولكن الغريب في الحدث أنه اكسب الأطفال شكلا جديدا وقد راحت ابتسامتهم تختفي ويحل محلها صمت غريب ، سيدة العبوس فقط من اتسعت عيناه وأخفت ابتسامة حاولت التسلل إلى شفتيها وهي تجري في اتجاه بيتها .
صباحا اختلفت الأشياء ، عندما انتشر خبر ضحكات سيدة العبوس التي راحت تتردد في الحيّ كله . وذهب كبراؤه إلى أن الأمر كله مستحيل ، فأطفالهم أصبحوا على غير ملامحهم المعهودة ، وماتت ابتسامتهم في الصدور واختنقت عن الشفاه . حتى عندما حاول الأهل إعادة إذاعة برنامج هزلي مضحك كانت الدموع تأخذ طريقها في عيون شباب ورجال الحيّ ، ومع ازدياد الدموع بصورة أصبحت مرئية ، حيث رأى الرائي أيا كان هو مصير أطفاله وأبنائه ، حاولوا أن يبحثوا عن الرجل بصندوقه العجيب وعن السيدة العجوز عابسة الوجه ، ولكن الأمر أصبح مستحيلا أيضا عندما انتشرت التكشيرة على وجه نساء الحيّ بلا استثناء من القاعدة . لم يتبق سوى الوصول إلى المرأة مهما كان الأمر ، قلبت الوجه في الوجوه ، وشدد الرجال على زوجاتهم أن يخرجن مكشوفات الوجه حتى يستطيعوا أن يميزوا بينهن والمرأة العابسة القديمة ، ولكن الأمر تخطى هذا بمراحل متنوعة ، ومتناقضة حيث أصبح التميز بين الزوجات شيئا مستحيلا ، فأهدت الأزواج إلى أن تضع كل سيدة أو زوجة شارة خاصة عليها اسم زوجها حتى لا يحدث أخطاء أخرى هم في غنى عنها الآن يكفي حالة الحزن الذي بدأ يزداد يوما بعد يوم منذ ظهور واختفاء الرجل بصندوقه العجيب ، المسرحيات الهزلية ، والقنوات المشفرة ، والمفتوحة لم تهد الجميع إلى أي شيء سوى الصمت .
وفي المساء تنتشر ضحكة بين القرية ضحكة عالية مرتفعة ، يحاول من يحاول أن يمسك صاحبتها ولكنها تختفي بطريقة ما زالوا يجهلونها ، ليلا تظهر فقط وتقطع شوارع الحي جريا ، كلهم شاهدوها ،ويشاهدونها ليلا ، ولكنهم للآن لم يستطيعوا أن يضعوا أيديهم عليها ، بينما راح الأطفال يكبرون يوما عن يوم دون أن يشعروا وأصبح الحي كله يمضي إلى الخرس فتكفي أن ترى وجه جارك لتشيح بوجهك عنه ، عابسا بعبوس .
قال البعض:إن هناك صندوقا آخر مدفونا في أعماق أحد البيوت به الحل.
صباحا كانوا يحفرون، ويحفرون، وتنتشر أكوام الرمل وتعصف الرياح بها..
وتمرّ الأيام والحفر في استمرار ودوام، والليل يأتي والحفر لا يتوقف، والريح تمضي.
وصباحا انتبهوا للأمر عندما وقف كل سكان الحي على أطرافه، يحاولون أن يلمحوا نهايتها، ولكن لم يصادفهم سوى بيوت مخربة، وأشلاء بيوت، ورمال تمتد وتمتد..وصباحا يرحلون، يحملون شبح الحزن على أكتافهم ويرحلون.
وتنتشر الأسطورة بينهم، إن بعضهم رأى سيدة العبوس ليلا مصاحبة لصاحب صندوق الدنيا، يمضيان ويضحكان سويا مغادرين الحيّ أو ما كان حيّا في يوم ما.