..أجلس في مكاني المعتاد وقد وضعت بعض أوراق أمامي؛ أحاول أن أسطر قصة ما.. تخاصمني الكتابة هذه الأيام وتهرب منى دون سبب سوى الملل ، نشرات الأخبار ، ورفع الدعم ، وحديد عز ، وطن الاسمنت الذي سيصل إلى 400 جنيه ، أحاول جديًا البحث عن فكرة جديدة للكتابة،كل شيء لا يمت للواقع بصلة- حتى أنا تقريبا- أشعر أنني خارج الواقع هذا ، يأتي صبي المقهى ليضع أمامي كوب الشاي المعتاد .. أقلب الشاي وأنا أقلب عينيّ في الطريق .. لا أعرف لماذا الشغف تحديدًا بهؤلاء.. ولكنني دومًا شغوف بهم، بأطفال الشوارع.. بداخل كل منهم حكاية خاصة يجب أن أعرفها.. لا يتشابهون برغم أن المعظم يتسول وتكون علبة المناديل أو باكو البخور مجرد حجة؛ ليرق قلبك عليهم .. أحيانا هناك ما يجذب ناظري وهناك من أنفر من منظرهم .. لا أعرف هل النفور منهم أم من أهاليهم.. ولكن ذاك الطفل مختلف بالنسبة لي .. طفل يتجاوز العامين بصعوبة .. مكوك متحرك في الشارع .. أراقبه بشغف المحارب، وأنا أراه يتعلق بيد أخته التي تكبره بعدة أعوام.. الطفل منظره يدعو للاهتمام به بالتأكيد .. ملامح فارس، ترتسم على وجه طفل غادر مرحلة الحبو منذ قليل؛ ليكتسب فجأة قدرة رهيبة على الجري.. تلاحقه عيناي كترمومتر يقيس حرارة الشارع مع تموجاته المستمرة .. يشبه في حركته موج البحر الثائر يرتطم بالمارة .. ويتعلق بملابسهم .. البعض يعطف عليه يضع جنيه أو نصف في يده.. يجري مسرعًا إلى البقال ، يعطيه النصف جنيه في يده ويشير إلى الثلاجة .. يهز البقال رأسه أن لا .. ويعيد للطفل النصف جنيه .. يأخذه الطفل بين يديه، ويسمر عينيه الصغيرتين عليه، وبفم مفتوح يهمهم، فلم يتعلم الكلام بعد.. تخرج همهمة عجيبة مع تبرم عجيب وهو يرمي النصف جنيه للشارع .. أبحث بعيني عن أخته أجدها تلاحق المارة في مكان آخر.. شيء من الجنون يحدث بداخلي .. أحاسيس متناقضة وغريبة.. كثيرون يحلمون بظفر طفل كهذا.. لا تكل حركته مستمر في تموجاته عبر الطريق .. يراقص المارة ويراقصونه .. تتعلق عيناه بطفل آخر محمول في عربة أطفال.. ويهمهم له .. يعيد أحد المارة النصف جنيه إلى الطفل ويضعه في عبه .. يشلح الطفل بنطلونه ، ويعبث بداخله ؛حتى يخرج النصف جنيه من تحت البلوفر المتسخ ، ويرميه للشارع مرة أخرى .. وكأن هذا الطفل اكتشف بغتة أن لا قيمة لهذا المبلغ ما لم يلبي احتياجاته.. بداخلي أدرك أن هذا الطفل مصيره الموت، وقريبًا لن أراه في ذلك المكان.. مع تلك السرعة الفائقة للعربات مع سرعته هو، وكأن قدميه اكتسبت محركات أخرى لها.. وكأنه يقيس الأرض بسرعته أو أنها ستتوقف عن التحرك أن ظل ثابتًا في مكانه.. يراه أحد المارة وهو يتحرك هكذا، يسأل عن أهله ،وهو يرفعه من البلوفر كدمية صغيرة، ولكنه يرفعه بتعفف، وكأنه لا يطيق رائحته .. يشتم الرجل ويسب وهو يضع الطفل على الطوار وهو يتمتم .. أين أهله ..يأتي صديقي يجلس بقربي يتطلع لي وأنا أراقب الطفل.. يقول في نفسه : ما زلتَ على جنونك .. أنظر في عيني صديقي أقرأ ما يدور .. يهز رأسه بتحية ويتمتم بالسلام ، ويطلب من صبي المقهى إحضار فنجان ثقيل من البن .. يراقب حركة عينيّ خلف الصغير، وقد رفعه أحد المارة على سقف عربة واقفة، فظل فوقها واقفا بشموخ غريب، ونظرة عينيه تقيس مسافة بعده عن الأرض وكأنه سيقذف بنفسه.. إحساس غريب بداخلي وأنا أشاهد ما يجري، وكأنه ترتيب عجيب للقدر.. بداخلي يستمر إحساس أن الموت يرفرف الآن فوق رأس الطفل.. لا أعرف لماذا .. ولكنها العادة أن أضع النهاية المتوقعة للأحداث.. غريب تعلقي به ومتابعته بهذه الدرجة.. يرشف صديقي من فنجانه وهو يحدث نفسه وكأنه يحدثني : العيل في البيت عندي تغطيه بميت بطانية ، وتخاف عليه من الهواء الطاير ، ورغم كدة بيجيله عيا وندوخ بيه على الدكاترة .. شوف ابن المرة ده .. ولا هو هنا ..يبدأ الطفل في الهمهمة للمارة .. يشاهده صبي المقهى، ينزله من على سقف العربة للشارع.. يستمر الطفل في الحركة مرة أخرى .. وصبي المقهى يزعق لأخته أن تحمله من هنا وهو يلعن سلسفين جدودها بأفظع الشتائم ..تقترب الطفلة من أخيها تحمله وتمضي.. لا تمر دقائق حتى تراه عائدا لوحده.. وقدماه تتحركان بسرعة عجيبة دون اتجاه ..اليوم أشعر أن هناك شيئًا يخفيه القدر للطفل، لا أعلم تحديدًا ما هو.. ولكن يقينًا غريبًا يقول لي سيموت هذا الطفل اليوم..يبدأ زبائن المقهى في طرد الصغير وهو يتحرك بين الكراسي ..يهمهم بلا كلام ويجري ، ثم يعود مرة أخرى .. هذه المرة قلبي يتراقص بين ضلوعي .. فحركة الطفل غريبة وأسرع من كل مرة، وكأنه يمر بمرحلة ما من النشوة.. يهبط الطوار بسرعة عجيبة ..يجري محاذيًا للرصيف، ثم يعود للف حول المقهى.. ويرجع للجري مرة أخرى .. صديقي يلاحظ انشغالي بالمتابعة ،يتركني لحالي .. وهو يهز رأسه متمتمًا: يا الله! ..يبدأ صبي المقهى يزعق على أخته مرة أخرى؛ لتأخذه..البنت منشغلة بالجري وراء الماشيين ..فجأة أشاهد الطفل يجري بسرعة غير طبيعية ويترك محاذاته للرصيف لمنتصف الشارع، الذي يلتهب بالسيارات المسرعة.. يقف صديقي نصف وقفة ، وأهم أنا بالوقوف .. يعود الصغير للرصيف مرة أخرى ، وصبي المقهى يصرخ في أخته : الواد هيموت يا بنت الكلاب .. تهز البنت رأسها ،وتبتعد وراء شخص عابر ، الصورة تزداد غموضا بداخلي .. أحمد الله ، لأن الصغير هدأ قليلا، وعاد ليجلس على الطوار .. بعد فترة أرفع كوب الشاي إلى فمي .. أرى صديقي يهب فزعًا، وهو يرمي كرسيه جانبا قافزًا عبر المائدة، وأرى الطفل في منتصف الشارع، بينما أتوبيس نقل عام ضخم يأتي بسرعته.. الصرخة تقف في حلقي مع زيادة ضربات قلبي وهاجسي الداخلي بموته شبه محقق .. تمر الثواني كأنها أيام ، وأري صديقي قد رفع الطفل بيد واحدة إلى أعلى مبتعدًا به عن سكة الأتوبيس ..وهو يصرخ : يا ولا د الكلب .. تمر وهلة يعود صديقي بالطفل، يضعه فوق مائدتنا، وهو ينظر للصغير الذي يهمهم دون فهم.. يحتقن وجه صديقي بعنف .. يبحث بعينيه عن أخته .. يهب مرة أخرى وهو يرفع الطفل بين يديه ويجري ناحيتها.. يضع الصغير على الأرض وهو يصرخ فيها: يا بنت المرة.... متسبيش الواد من أيدك هيموت ..تخاف البنت من منظره، وهي تتناول أخاها، يرفع صديقي يده في الهواء وهو يهبط بصفعة قوية على وجهها صارخا: يا بنت....تصرخ الفتاة بعنف ويلتف الجميع لصرختها، وهي تبكي وتصرخ : أها اعملوا علينا بقى رجالة ..تصفعني الكلمة ، وتصفع الواقفين .. بينما يرجع صديقي لمكانه ، وكأنه تلقى ضربة من ملاكم محترف تصفعه بالمثل ..وعيناه تتابعان البنت التي حملت أخاها ومضت.. والكلمة ترفرف فوق الرءوس ، بينما البنت ما تزال تبكي ساحبة الطفل خلفها وهي تتمتم :- أها اعملوا علينا رجالة بقى ..
صوت جرجرة عجلتها يشدني، أترك مكاني أمام الكمبيوتر وأجري إلى الشباك مع اقتراب صوت خربشة
العجلة واحتكاك إطارها المكسور بالأرض، يبدو الصوت بعيدًا بعض الشيء، ولكن بداخلي أعرف أنها تقترب..تعرف أنني أكون في هذا الوقت في انتظارها في الشباك.. يأتي صوتها عاليًا وهي تنادي، وتنادي..وكان هذا يعلن اقترابها.. وأخيرًا تظهر أمامي في أول الشارع، ويرتفع ضجيج وسحب عجلتها بالأرض، تلك العجلة التي تشبه عجلات الأطفال بيد طويلة تسحبها، وقد كومت فوقها الجرائد، أبتسم لابتسامتها وصوتها الهادئ وهي تقترب قائلة: أجيب لك جرنال إيه يا أستأذنا..- أي حاجة يا أم أحمد كله شبه بعض.- حاضر.. هي الدنيا لسه هس ليه كده؟- دلوقت تصحى..- صح دلوقت تصحى.- مين اللي تصحى؟ الدنيا؟!.- لأ "نورا" بنتي عندها امتحان النهارده، دعواتك.- طب مش كنتِ فضلتِ معاها عشان تبقي جنبها لو احتاجت حاجة.- ماينفعش يا أستاذنا ما إنت عارف.. لقمة العيش.- سلام يا أستاذنا.- سلام يا أم أحمد.تتباعد وهي تسحب الجرائد خلفها، وصوتها ينادي على الجرائد.. عمال البلدية يبدأون في الظهور في الشارع، رجال، وحريم.. أعمارهم فوق الأربعين.. معظمهم تشعر معهم بكم رهيب من الحياة ينبض.. شعور جميل بالمراقبة.. يقتربون.. يصبحون وأصبح.. صوت مقشاتهم وخربشتها بالأرض وحديثهم الفريد وكأنهم خارج حدود الحياة.- لا يا أختي إنتِ ممكن تاخدي إجازة مرضي تروحي التأمين والدكتور يكتب لك الأجازة 3 شهور..- يعني مش بالخصم ..- لا ما هو الباشا قال ممكن إجازة 3 شهور بس شرط ترجعي أسبوع بعديهم وتاخدي 3 شهور تاني..- صباح الخير يا أستاذ..- صباح الخير أعمل لكم شاي.. إنتم كام؟- كتير يا أستاذ.- مافيش مشكلة.. دقيقة وراجع..أغادر مكاني في الشرفة، وأدخل المطبخ، أضع البراد على النار.. صوت أم أحمد يعود ليقترب.. أراها من خلف نافذة المطبخ تجلس بجوارهم تحكي لهم عن "نورا" والكلية وتتبادل الدعوات.. البراد يغلي.. أصبّ الشاي بسرعة، وأجهز صينية كبيرة من كعك العيد.. أقترب من الشرفة، أناولهم الشاي، وصينية الكعك، وأجلس في مكاني واضعًا سيجارة الصباح المزعجة في فمي وكوب الشاي على حافة الشرفة..أتطلع إليهم وأتساءل كم من الحكايات يملكونها، وكم هي طبيعة روح الحياة لديهم.. أشعر بأنني يجب أن أتبادل معهم الحديث.. - مابتاكليش ليه يا أم هدى.- معلش يا أستاذ محمد صايمة.. بس نفسي في الكعك.. بس صايمة..- ولا يهمك دقيقة وراجع.. كلوا إنتم.. كلكم جالكم شاي..- أيوه.. بس عم "عبد الله" لسه..- هاعمل له.. دقايق وجاي..أرجع إلى المطبخ، ألف طبق من الكعك في ورق الجريدة التي لم أقرأها بعد.. وأحضر أحد الأكياس؛ لأغطي الطبق.. أرجع إلى الشرفة..- خدي يا أم هدى. - إيه ده يا أستاذنا.. الله يكرمك.. طب الصحن هجيبه لك بكرة.- لا ماتجيبيهوش.. مش عايزه.- الله يكرمك يا رب..- إيه يا أم أحمد مش تقومي تلفي بالجرايد ولا عجبتك القعدة.- قعدة الحبايب بالدنيا يا أستاذنا.. - شربتِ شاي ولا أجيب لك؟- لا شربت الحمد لله .. تفتكر "نورا" بنتي ممكن تبقى دكتورة وأحضر فرحها كده على دكتور قد الدنيا..- إن شاء الله يا أم أحمد.. إنتِ تستاهلي كل خير.. كفاية تعبك وشقاك عليها بعد موت أبوها.. إنتِ تستاهلي كل خير..- الخير كله ليك يا أستاذنا..عم "عبد الله" جه أهوه.. أقوم أنا ألف بالجرايد بقى.. صينية الشاي يا أستاذ والكوبايات..- خليهم عندك لما يخلصوا..أتراجع للداخل، أنظر إلى صفحات الجريدة في لا مبالاة، أشعر بحاجة ماسة للكلام.. تهرب الكلمات مني.. صوت خبط على شباك النافذة.. أعود لأتناول الصينية من عم "عبد الله" لأضعها في المطبخ، وأعود لأوراقي وكتبي.. وأنا أنظر للساعة.. ما زال هناك المزيد من الوقت قبل ميعاد نومي.. وما زالت الأفكار التي أبحث عنها تدور في فلك بعيد عني.ومازالت أصواتهم بطيبتها تضرب جوارحي فأشعر بالهدوء.. صوت أم أحمد وعجلتها يتباعد ويتباعد.. أعود للكمبيوتر، أتركه لأنام.. ليبدأوا هم يومهم مع الدنيا، وأبدأ أنا يومي مع النوم.. إحساس غريب أن تكون عكس الكثيرين من البشر..أيام تعدي.. وتشرق الشمس وتغيب..عمال البلدية كالعادة ينتظرون ظهوري في الشباك، كوب الشاي يمثل لهم شيئًا مهمًا، ينادي بعضهم بعضًا على استحياء، يلتفون حول صينية الشاي وكأنهم يحتفلون بحدث مهم..أم أحمد مختفية منذ عدة أيام، أكيد لأجل "نورا" وامتحاناتها.. يدعون لها، ولي.. نظل ننتظر سويا ظهور أم أحمد.. غابت علينا هذه المرة.. اليوم هناك ملامح غريبة تظهر في صوتهم، لأول مرة أشعر بأن الصوت يحمل ملامح الإنسان.. تركوا مكانهم حول صينية الشاي.. البعض رشف رشفات منها وتركها، والبعض الآخر لم يلمسها، وكأن هناك شيئا غريبا يحدث.وجدت نفسي أتساءل: لماذا اليوم هم مختلفون؟!وجدتُ نفسي أحاول أن أتفهم ما يجري دون فائدة..وأهبط إليهم، أقترب من عم "عبد الله" متسائلا:- خير يا عم "عبد الله" فيه إيه.- ولا حاجة يا أستاذنا..- لا فيه.. فيه إيه قول.- أصل هاقول لك على حاجة بس والنبي ماتزعلش، أصل هي دي روح الدنيا.. هي كده.- خضتني يا راجل فيه إيه.. قول..- أم أحمد ماتت.. أصل هاقول لك.. هي راحت تقعد مع أختها.. أصل أختها اتحرقت..- يعني أختها اللي ماتت.- لا أختها بقت كويسة هي فضلت جنبها وكانت بتديها الدواء بنفسها.. بس امبارح أختها قامت تروح الحمام .. بتهزها من على الكنبة لقيتها ماتت.. والنبي يا أستاذ ما تزعل نفسك.لم أعرف ما الذي أستطيع قوله له، ولم أدرِ هل ما يدور بداخلي الآن حزن أم ماذا؟وهل فعلا بدأت دموعي تسيل على خدي وأنا آخذ طريقي للشقة.. وصوت عم "عبد الله" يتردد على أذني..- ما تزعلش يا أستاذنا ما هي دي روح الدنيا..http://www.boswtol.com/aldiwan/ndonia_177_01.html
تبدأ أسطورة التنغيمات منذ لحظة ولادته ..كانت ولادته ولادة غير طبيعية بالمرة ، فقد قالت الداية وقتها :إن المولود يغمغم وينغم بلسانه وكأنه يعزف لحنا جنائزيا حزينا ..
لم تفهم أمه وقتها السرّ في ذاك التنغيم الهادئ الذي يخرج من بين شفتي وليدها ، والذي راح يزداد مع الأيام الأولى .. حتى إنها كانت تستيقظ ليلا مفزوعة مع زيادة حدة التنغيم في صوته ،ومع مرور عدة شهور اعتادت الأم على ذاك الصوت الغريب ، واللحن الشجي الغامض !.
فكان ينام الصغير بجوارها وتلفها طاقة رهيبة ، سيمفونية ليلا ، حتى تشرق الشمس فيكف الصغير عن التنغيم ويستسلم للنوم ..
بدأت أقوال في الشارع تزداد على أن هذا الطفل معجزة ، وبه شيء لله .
ولكن الغامض أن كثيرين استبشروا خيرًا بوجوده ، وبعضهم أدعى أنه يشبه المهدي المنتظر ، بل أكد البعض أنه هو بذات نفسه ، وهو الذي يخلص حارة العشاق من بلوتها الدائمة ، ومن جبروت سيد الأمام .
أصبح النقيض للنقيض يمضي ، وصارت الحالة من أسوأ إلى أسوأ مع تفرد سيد الأمام بالشارع والحي كله ، تفردًا لا سبيل لدحض شبهة التواطؤ فيه ،برغم جبلة الكل على الخوف، الذي كان يمثل منطقة تفرد ونفوذ في نفوس الأهالي ..
وكان كل رضيع يولد وعلى جبينه لعنة أن يطأطئ برأسه للريح حتى تمر ، ولأن الريح كانت دائمة وشديدة العصف ، ظلت الرءوس تزداد اقترابا من الأرض عاما بعد عام ، حتى أصبحت نظراتهم لصيقة بالأرض ، ومع ميلاد المهدي كما أسمته أمه ، ظل أمل ضعيف أن تتحقق أسطورة الفوز الرهيبة، التي تحكى كتيمة خاصة في الأسطورة الشعبية، التي تراكمت عبر السنين في الوجدان الجمعي للشارع .
وباتت المنغومة الليلة تخرج من بيت أم المهدي؛ لتشرف على الحارة في أشد الليالي حلكة ، حيث تبدو طبقات الهواء حاملة اللحن الغريب ، والذي يقول البعض أنه يخترق الجدران ويصك آذانهم ليلا ؛ لدرجة أن سكان الشارع بدأ بعضهم يضع قطع من القطن في أذنه قبل النوم ، وبرغم هذا تتسلل المنغومة إليهم ، والنساء في الشارع يقلن إن رجالهن يصبهم نوع من الشبق الجنسي في تلك الليالي ، وبعضهم يصمم على ممارسة الحب حتى مطلع الصبح .
ومنذ شارف سن المهدي علي السنة حتى كانت جميع نسوة الشارع قد حملن في دعابة ندرة تكررها ..حتى من تأخر حملهن لسنوات ، ومن قارفت سن اليأس وجدت الحياة تدب في خمول جسدها الواهن ، وثمار التبويض تفعل فعل السحر؛ فتعود لها دورتها الشهرية ، مر العام وأسطورة المهدي تزداد يقينًا في نفوس الجميع ، وسيد الأمام يزداد قلقًا وتوترًا، خصوصًا بعد أن قيل إن البعض رفع عينيه عن الأرض، وبعضهم خرج إلى عمله ينظر أمامه مباشرة ، بل وصل الأمر أنهم أصبحوا ينظرون للسماء بترقب .. وكأن طاقة جديدة من الحياة تدب أو تسير بينهم .. اللغز أصبح لغزا ، فما الجديد ؟!.
الجديد أنه بعد أن وصل سن المهدي عام كامل كف عن الرضاعة ، وصدت نفسه عن صدر أمه ، وبدأ صوت تنغيمه الليلي يضعف حتى كف في يوم ما ..
وعادت الأوضاع إلى ما كانت عليه ،وانتهت حالة الانتشاء ، وكفت النساء عن الحمل ، وكف الرجال عن رفع عيونهم عن الأرض ، وبدأت حالة من الخمول الأسري والشخصي يخضع لها الجميع، وراحت تسيطر على الوضع بكل لغزيته ، وقال شيخ الزاوية القريبة ، والذي حملت زوجته المسنة منه : لكي يرجع المهدي إلى التنغيم إن على أمه إلا تفطمه قبل عامين ، ربما يستمر الخير لعام آخر ..
لكن الكلام شيء والفعل شيء آخر ، فقد امتنع المهدي عن الرضاعة نهائيا ، وكف حلقه عن أخراج الصوت المنغم ، ومات اللحن في فمه ..
قال شيخ الزاوية : لابد من متطوع ؛ليذهب إلى أحد الشيوخ الكبار؛ ربما أعدوا وصفة للمهدي؛ حتى يعود كما كان ..
وآخرون تمسكوا بحظهم الضئيل من الدنيا ، وقفوا موقف المتفرج اليقظ، ربما تتغير الصورة في يوم ما .. ولكن الفتوى التي أتت لهم من كبير الشيوخ كانت مفزعة وغير مبررة بأي شعور آدمي .. فقد قال الكبير: أن الرضيع تسكن جسده الشياطين ، ولابد من ذبحه حالا؛ تمثلا واقتداء بسيدنا الخضر .
قوبل كلام الشيخ الكبير بالاستهزاء والاستهتار ، وقال شباب الشارع الذين لم يصيبوا سن الزواج بعد: إن في الأمر خدعة وأن الكبار استسلموا للأسطورة ، وربما لنفوذ سيد الأمام .
وأم المهدي أصابها الجزع والخوف وازداد التصاقها بابنها ، بعض النسوة نصحنها بالتخلص من الرضيع، والتمثل بأم نبي الله موسى ، وقذفه في اليم؛وسوف يرده الله إليها مرة أخرى ، ورحن يذكرنها بآيات القرآن وما ورد فيها .
ولكن اليم كان بعيدًا بعد الحدود ، والوصول إليه مستحيلا !
وبدأت أخيلة ومشاهدات مريضة تصادف الأم في نومها وصحوها وتؤرق نومها ، ومع مرور الأحلام وكثرتها أصبح لا مفر من التخلص من المهدي ، ولتنجيه أمه من الموت بعد أن وصلت أخبار رهيبة أن سيد الأمام قد رصد مكافأة ضخمة؛ لمن يأتيه برأس الرضيع ، ولكن من خرجوا صباحًا؛ لمطاردة حلم المكافأة، اكتشفوا بعد اقتحام مدوي للبيت، اختفاء الرضيع ، ولم يعثروا له على أثر ، وبرغم استخدام أسلوب القمع والترهيب،ثم الترغيب والمهادنة مع الأم ، ولكنها قالت: إنها لا تعرف أين اختفى الرضيع؛ فهو يعملها أحيانًا ،ويظل مختفيًا لساعات ،ثم يظهر بغتة دون إبداء أسباب للاختفاء والظهور .
وبدأت أخبار متواترة ومغالطة تظهر ،البعض أكد أن المهاجمين فوجئوا بالرضيع يكلمهم ويعظهم أن يتقوى الله ، وأنهم خروا مغشيا عليهم ، وعندما أفاقوا لزموا زاوية الجامع في تجمع غريب وهم يهتفون " الله أكبر "
وأكد البعض أن ما قاله المهاجمون محض هراء ، وأنه لا أحد يتكلم في المهد صبيا ، وقال شيخ الزاوية لابد للرجوع للشيخ الكبير مرة أخرى ، وأن يأتوا بفتوى جديدة غير مطروقة من قبل ، فالأمر تعد الخيال الجمعي والتراث وكل شيء كان .. ولا أحد يتكلم في المهد ، وأن زمن المعجزات قد ولّى؛ فلا سبيل سوى النكوص على أعقابهم خوفًا وقهرًا من سيد الأمام .
سيد الأمام الذي أفزعته الصورة وحدود التخيل؛ فهاجم برجاله الحي والشارع ، وفرض إتاوات جديدة؛ أثقلت الأهالي ، وأقسم بأغلاظ الإيمان أن لم يأتوا برأس الرضيع ليحول حياتهم جحيما لا يطاق .
ومن مستصغر الشرر تكبر الأسطورة ، لم تجد الأم سوى أن تقذف بالمهدي إلى أحضان اليم ، وأن تخفي ما حدث، فربما يرده الله إليها بعد حين .
ومع خروج ليلي غير متوقع ، خرجت أم المهدي ، لتعود بعد شهور دون الرضيع ، وقد أثقلها مرض الرحلة وطولها .. وقالت :إنها لم تجد بدًا من التخلص منه بعد ما أثار وجوده من قلقلة للحي ، وبعد أن أصبحت الكوابيس أحد منغصات حياتها .. وأنها لم تعد تستطيع الحياة وسط القلق العاصف ، خصوصا بعد التهديدات بقتله وبعد اختفائه وظهوره العجيبين ،والذي قالت النسوة عنه أنه يختفي تحت الأرض وأنه متزوج من جنية رهيبة لا سبيل لفك الخلاص منها إلا بقتله .
وبدأت الحياة تموت في الحارة من جديد ، حيثُ ظهر جبروت سيد الأمام في أقصى درجات العنف ، وحيثُ أجبر الجميع على أن لا يخرجوا من بيوتهم بعد غروب الشمس ، أصبحت الحياة مستحيلة ، حتى عندما أتت فتوى الكبير أن الطفل مسكون بروح الزمن وحكايات التاريخ ، وأنه أمثولة يجب أن يظل الزمن محتفظا بندرتها .
وسأل عن الوضع ؛فأرسل شيخ الزاوية من يخبره بما حدث وبما جرى ،فرد عليه الكبير رسوله محملا بأقذع أنواع السباب ، وأنهم بذلك فتحوا مجال للأسطورة إلا تنتهي ، وطالبهم بأن يضغطوا على أم المهدي ؛لتخبرهم بمكانه ، ولكن عندما ذهب شيخ الزاوية إلى بيت الأم وجدها قد ماتت إثر فعلتها ، ماتت وهي تبكي المهدي الصغير ،ذاك الطفل الذي لم يرتكب أثما في حياته ، ولم يصدر منه ما يدل عن شر حتى في الخيالات المريضة لحي العشاق المريض .. وعقد سرادق للعزاء ، وبكاها النسوة المتشحات بسواد الأيام ، وسط كل هذا كان انتظار أبيه العائد من صحراء ليبيا قريبا ، وعليهم أن يفسروا له الأمر من موت الأم واختفاء الرضيع .. وأخذوا يعدون العدة لاستقبال الأب بالدموع والبكاء على الميت ، وأن رحلته التي طالت منذ كانت زوجته حاملا في المهدي قد تغير وقتها الكثير والكثير ، وأن زوجته ظلت وفية مخلصة حتى أتت المنية .. الموت حق وهو رجل مؤمن ومصلي ويعرف ربنا ..والبعض قرر أن يخفي عنه أن زوجته وضعت جنينا يجيد الغناء والتنغيم وتكلم في المهد ، ولكن آخرين خافوا أن يكون قد وصل له أمر الصغير عبر رسائل البريد.. ولكن المدهش أن الرجل أراحهم من هذا كله عندما وصل خبر إليهم أن الصحراء ابتلعته ، ومات دون أن يُعرف مكانه ..
لم أكن أعرف الكثير عن تلك الحكاية الغريبة وأنا أدلف إلى حارة العشاق لأتخير لأول مرة مسكنًا في حي غريب عني .. سمعتها من شيخ الزاوية عدة مرات ولم أصدق ...
حتى عندما قال شيخ الزاوية أن اللحن الذي أعزفه بفمي كل يوم يكاد يكون هو نفس التنغيم الذي كان يصدره المهدي ، كنت أضحك وأقول لنفسي : يا للحكايات !..
محمد إبراهيم محروس
دوما كنت أملك مفتاح هذا الباب..دائما ما كنت أفتحه لأدخل إليها ارتمي فى حضنها ..دخلت أتلمس رائحتها فى المكان..ستة أشهر لم آت إلى هنا .. كم يقلب على المواجع..أحزان كثيرة تضربني ..صوتها يأتي إلى أذني من ذاكرة ما زالت تحمل رائحتها..
- أخيرا يا وحش افتكرتني..
- معلش يا خالة ما أنني عارفة..
- عارفة يا محمد بس برضك ..أنا أه مش خالتك أخت أمك.. بس برضك خالتك..
- عارف يا خالة هو أنا لي حضن غيرك..
- أمال بتغيب كتير ياما علي .. ليه كدة يا محمد..
- والله يا خالة فاطمة الطاحونة اللي بلف فيها مش بترحم حد..
- لساك برضك معاند الدنيا..
- لا يا خالة هي اللي معنداني ..
- ليه بس كدة .. مقولتلك..
- مقدرش يا خالة ما أنت عارفة..
- عارفة يا محمد يعني هو مفيش غيرها ..بنات الناس كتير..
- الجرح يا خالة وكفاية أن اسمها زيك فاطمة..
- تكونش حبتها يا واد عشان كدة..
- كل ده واد يا خالة فاطمة..
- ليه يا محمد معنتش بتناديني زيي زمان خالة فاطنة .. مش فاطمة..
- مش عارف ..
- لا عارف .
- عارف إيه يا خالة..
- هي عندها كام عيل دلوقتي..
- عندها تلاتة يا خالة والرابع جاي..
- ياااااااه السنين بتمر بسرعة .. مش كان زمنهم عيالك دول..
- مكنش ينفع يا خالة .. متنسيش هي مرات مين..
- اه عارفة صاحب عمرك..
- مكنش ينفع..
- بس أنت كنت قاسي على نفسك دايما يا محمد .. حد يعمل عملتك ده تروح تخطبها له..
- يعني تفتكري يا خالة كنت اقول لأ ..
- طول عمرك كدة اللي فى جيبك مش ليك .. واللي معاك لغيرك .. هتسافر؟..
- يا ريت يا خالة .. بس خلاص حتى السفر معدش ينفع .. العطمة كبرت.
- أنت اللى طول عمرك عجوز ومقاوح الدنيا .. اصفي بقى للدنيا تصفالك ... عيالها حلوين ..
- اه يا خالة حلوين .. الصغيرة شبه أمها الظبط .
- بس حرام على صحبك بجد .. كان كفاية كدة .
- نفسه فى ولد يا خالة .
- طول عمرك كدة حنين يا واد .. عارف عيال العيلة كلهم وهما فى بطن أمهم بيحبوك .
- نعمة وفضل .
- اتجوز يا محمد .. اتجوز بجد .
- يا ريت يا خالة يا ريت .. بس معدش فيه مكان في قلبى للفرح.. وهظلم بنات الناس معايا. .
- صحبك بيزورك يا محمد..
- ساعات يا خالة .. الدنيا مشاغل .
- هتغيب المرة الجاية على..
- لا هجيلك قريب .. أكيد أفضى بس..
- لو عايز تفضى بتفضى ..أنت اللي مش عايز ..
- حاضر يا خالة فاطنة هجيلك..
- متغبش علي .. يا تري هنتقابل تاني .. اللقا تلاقي يا محمد .
- هجيلك يا خالة هجيلك.
- هتمشي .
- ما أنت عارفة .. الشغل .
- هترجع..
- هرجع يا خالة ..
- متغبش..
- حاضر مش هغيب..
- سلام.. سلام..
يااااااااااااااااااااااه دموع أخذت فى الجريان ولا أستطيع منعها ..سلام .. كم هي جميلة تلك الكلمة ..سلام.رحت أتطلع حولي فى صمت والدموع تخنقني .. مرت برهة سمعت باب الشقة يفتح..وصوت الخالة فاطمة يأتي من على الباب
- شمة ريحتك جوه يا محمد ..أنت رجعت.
.وجدت نفسي أقفز لأرتمي فى حضنها وأترك دموعي تنهمر. وأنا أقول : فاطمة ماتت يا خالة .. ماتت وهي بتولد .
ربتت علي وهي تقول : شد حيلك .. والعيل مات؟ .. قول جابت ايه ؟..
قلت لها من وسط دموعي : فاطمة ماتت يا خالة .. جابت محمد وماتت .
انهمرت دموعها مثلي وهي تقول : اللقا تلاقي .. طول عمرك حنين يا محمد طول عمرك حنين..
أبداً لم تكن أنت ِ..
ألم تكن اللحظات كافية بيننا كي أفهم لماذا اليوم بالذات تعانى من هذه الحالة، ولماذا ترفض الحضور.. علاقتي بها منذ سنوات مستمرة وطبيعية بدرجة كافية، بل ناضجة أكثر من اللازم.. كثيرا ما قلت لها: يجب أن تجنح علاقتنا قليلا إلى الطفولة، فأنت تملكين حثا رائعا، وتملكين طاقة إبداعية خارج الحدود.. تطلعت وقتها للوحة التي رسمتها لها منذ زمن وأجهشت بالبكاء، لسبب لا أعلمه كنت شديد الرفق بها.. حاولت أن أوضح لها أن ذلك الحادث لم يؤثر في علاقتي بها، بل هي تزداد جمالا في عيني يوما عن يوم، ولكنها رفضتْ كلماتي الوجلة، ورفضتْ عباراتي قالت: إنها غير جديرة بالرثاء الآن، بل هي ظل لإنسانة محطمة ،وكلماتي تزيد من حطامها.لم يكن في استطاعتي أن أماطلها أكثر من هذا، ولم يكن عقلي وذكائي يشفعان لديها. فهي تفهمني أكثر من نفسي، بل هي جزء لا يتجزأ من وجداني وشعوري الحسي.. رفضتْ أن تجلس أمامي لأرسمها مرة أخرى رغم كمية التحايل منى ولكنها نظرت إلى وقالت: لا تحاول..وقتها انتبهت لشيء هام في علاقتنا التي امتدت لسنوات أنني لم أقل لها في يوم ما أنني أحبها، بل كنت أتصرف معها بتلقائية نابعة من شعوري نحوها بالامتلاك.. وكم أرهقها هذا الشعور ولكني كنت أحمق، فلا تطلبوا من أحمق أن يبرر لكم أسباب حماقته وإلا أصبحتم أنتم الحم.. أسف أعتذر عن التطاول الغير مقصود، فأنت تعرفين أنني لم أبغ حقا أن أسيء إليك، ولكن الأمر خرج عن سيطرتي لأدواتي وعند لوحة الرسم المعتادة.. أتسمحين أن تخلعي هذا الإيشارب عن وجهك، فإنني أريد أن أرى ملامحك واضحة.. تصوري رغم كل هذه السنوات لم أحفظ ملامحك بعد.. ورغم فوز لوحتي التي رسمتها لك بالجائزة الأولى، ولكن دائما ما تأتى ملامحك غامضة، وكأني أراها من خلف شبورة من الضباب الكثيف.. أسف أزعجك معي دوماً.. فهل تخلعين الإيشارب الآن؟..ماذا كان حالنا الآن؟.. وماذا كان حالنا منذ زمن؟..فأنتِ دوماً الظل الحقيقي لجسدي.. هل تتذكرين يوم أن قابلتك لأول مرة ،يومها أظن أنني انتبهت لملامحك جيدا، بل رأيت فيك الصورة الكاملة لفتاة عاقلة، وفوق هذا موديل جميل أستطيع أن أرسمه لسنوات دون ملل.. قال مراد يومها: موديل جميل هل تبغي حقا أن تكون لوحتك القادمة عنها؟.. ولكن احذر لا وجود للموديل العاري الآن.. أنها موضة قد انتهي وقتها، ولا أظن لمثلها أن تخلع ملابسها أمامك مهما حدث..لم يكن مراد يعرف المستقبل ولم يكن من المتنبئين، ولكنه أدرك طبيعتك منذ أول نظرة تلك الطبيعة التي لم أفهمها أنا رغم مرور سنوات على علاقتنا.. حينما أردتُ أن تتعرى أمامي، رفضتِ بشدة رفضتِ لدرجة أنني تخيلتُ أنى طلبتُ منك المستحيل، ولكن تلك الورقة وتلك الاحتفالية الغريبة التي أصررتِ عليها، وتلك الشكلية العجيبة من الارتباط بمجرد ورقة عند شخص معمم هي من أعطتك الإذن كي تتعرى أمامي، نعم تلك الصورة الغريبة التي لم أجد لها مبررا داخلي سوى أنني أردتُ امتلاكك، وكنت أنتِ شديدة الحرص على إرضائي بعدها.. مستحيل أن يكون هذا هو تفكيرك، وأنت خريجة الجامعة الأمريكية وأستاذة في علوم اللغة، كيف لم أفهمك ؟!..وكيف لم أفهم حجم علاقتنا بتلك الورقة؟! .لم يكن يوم زفافنا يوما عادياً.. أتذكرين؟.. بل أنتِ وقفتِ تنظرين إلى في وجل، ونظرات الخجل واحمرار خديك يفوق الوصف، لم يدر بذهني وقتها أن خريجة الجامعات التي تدرس اللغة تكون بهذا الخفر.. ساعات طويلة انتظرتِ منى أن أقوم بأي فعل تجاهك، فعل مشروع في ليلة كهذه، ولكنني كنت أنظر إلى ما أبعد، أنظر إلى خلاياك وجسدك الذي أريده أن ينطبع الآن على تلك اللوحة البيضاء، وعندما أمرتك بخلع ملابسك دهشتِ، بل دهشتك كانت غامضة بالنسبة لي، لماذا ؟! ألم يكن شرطك لتتعرى أمامي هو هذه الورقة وهذا الاحتفال؟!..همستِ وقتها في خفوت: هنا..نعم كنت أريد أن تخلعي ملابسك عنك هنا في الصالة، أكان لابد من غرفة نوم حتى أرى جسدك؟ ، لا هنا في الصالة، ارتجف جسدك بشدة وأنا أخلع عنك ملابسك بهدوء وآدمية، كنت إنسانا ،أتذكرين؟.. لست ساعات وأنتِ تقفين أمامي عارية في الصالة ليلة زفافنا لأرسمك، لا تقولوا إنني مجنون بل كنت أريدها، أريد تفاصيل الجسد الذي أخفته عنى، ذلك الجسد الذي عشقته بجنون، عشقت كل ثناياه، عشقت نتف الزغب الخفيف من الشعر الذي لم تنجح الماشطة ناجحا كاملا في أن تخليصك منه ليلة زفافك، عشقت كل جسدك الحي، الذي وهبه لك الله، وماذا في هذا؟! .. كنت مجنونا، ليكن، ولكن كانت ارتجافتك تعطيني الحياة، وأنا أواصل رسمك بدقة متناهية.. ست ساعات ليلة زفافك تقفي أمامي أنا زوجك كما تقول تلك القسيمة التي تحتفظين بها للزمن، هل بالفعل عذبتك؟!.. هل بالفعل كانت تلك الساعات الست هي أقسى لحظات حياتك ألماً؟!.. لماذا لم تنطقي وقتها؟ لماذا لم تقاومي جشعي لهذا الجسد الذي هو أنت، مازال لديك القسيمة ومازال لدى اللوحة الأولى لك، بعد هذه الفترة وهذا الزمن ورغم كل اللوحات التي رسمتها لك لم أفهمك، وظلت صورتك كأنها ذكرى تأتى إلى من ماض بعيد.. اللعنة .. لماذا تعترضين هذه المرة ولماذا تهجريني..أبعد كل هذه السنوات تهجرينني اللعنة.. أكل هذا من أجل مساحيق التجميل ومن أجل هذا الطبيب الغبي الذي قال لك:إن ما حدث لوجهك هو من تأثير كثرة المساحيق التي كنت أطلب منك وضعها أثناء رسمك..أتصدقين هذا، لوحتك فائزة عزيزتي.. لماذا هذا الرفض الذي بداخلك، أتقولين:إنني عريتك أمامي، وأمام العالم.. أنني كنت السبب في فضحك أمام الطلبة في الجامعة، لسنوات وعدتك أن أحتفظ بهذه اللوحة الأولى مدة الحياة ولن اعرضها على أحد، ولكني بشر طمعت بالفوز، فكان يجب أن أظهر هذه اللوحة للناس، أنتِ من رفضتِ أن أرسمك عارية مرة أخرى بعد ليلة زفافنا، والمسابقة كانت عن لغة الجسد وماذا كنت أفعل، جسدك هو اللغة الوحيد التي أتقنتها بشدة وجشع.. أنني انتظرك، انتظرك أن تعودي لي ولكنك تصرين على رفضك والآن تطلبين الطلاق.. لماذا ؟!.. لماذا ؟!
مزامير الحي ..
بقلم محمد إبراهيم محروس .
تفتح شباك نافذتك ، تتطلع إلى الشارع في هذا الوقت من الليل ، السكون الدائر حولك يدعوك للتأمل .
شرخ في ذاكرتك ، لا تعرف من أين يبدأ أو إلى أين ينتهي .
ترى بعض الأضواء المتراقصة في نهاية الشارع .. تعرف أن فرح ( عفاف) قد انتهى منذ مدة، وأنك لم تحضره، وأنك لم تكن العريس الموعود..
تتذكر أنك لم تحب ( عفاف ) يوما ما بالقدر الكافي ، برغم كثرة مقابلتكم .. ولكنك أحببت كل فتيات الشارع، تكتشف أنك تحب الأنثى لمجرد أنها أنثى.. كل مغامراتك تتذكرها، ترجع بعقلك أن أحد أحلامك البسيطة هي زوجة ، وشقة ، وطفل يعبث بشاربك الكث الذي تفخر بوجوده .
ترى صبي مقهى الميدان يبدأ في الاستيقاظ، بعد وهلة يبدأ في فرش كراسي المقهى.. تنادي عليه بصوت هامس مسموع ، يقترب منك وفي عينيه وخم النوم .
تطلب منه كوبًا من الشاي، يضحك وهو يخبرك إنهم لم يبدأوا بعد.. ومن الأسهل أن تخش مطبخك لتصنع لنفسك كوب الشاي.
يعود للمقهى مسرعًا مع وعده بإحضار الكوب عندما يستيقظ الآخرون .. تعود أنت لحالة التأمل اللا نهائي ، تجد صعوبة في النوم ، وتجد صعوبة في الدخول؛ لكي تعد لنفسك كوب شاي ، تخرج سيجارتك التي أصبحت إحدى ضروريات حياتك ، التي هي فى الأصل بلا ضرورة حتمية ..
تنفث الدخان إلى الهواء ، تبحث بعينيك عبر الشارع عن شيء خفي .
وتثقب بعينيك جدران الحوائط في منظر تخيلي عجيب، خيالاتك المريضة تفتح نوافذ الشقق ، وتهدم الحوائط . تنظر داخلها بعين خيالك.
تتصور ( مروة) وهي تنكفئ على كتبها من أجل الثانوية العامة ، تتخيلها في قميص وردي وقد كشف عن ذراعين ممتلئتين .
تتذكر كيف كنت تحملها وهي طفلة بعد .. تتصور أن درس اليوم في علم الأحياء والجهاز التناسلي ، تضحك من نفسك ، وتتساءل ما الذي يدرسونه للبنات اليوم في المدارس ، تتذكر نصيحة أحدهم عن الوعي الجنسي ، وتضحك .
تتخيلها بين ذراعيك عطشى إلى الحب ، تتوجس من نفسك خيفة .
تهرب بعين خيالك إلى عم ( صافي) ، ومرضه الدائم وتردده على العيادات ، وعن ابنته ( هدى) تتذكر أنك أحببتها دون الأخريات بكثير ، تتخيلها بعد سفرها للخارج مع زوجها الثري العربي في بيت الجواري ، وقد ارتدت بذلة رقص شرقي ، وراحت تتمايل في غنج ، وقد اتشح أميرها العربي بالسواد ، وخنجره المتوارث يضعه في جراب حول وسطه وقد ربطه بحزام عريض ، ويستمر الرقص .. يضجرك التخيل .
تميل بنفسك إلى الهدوء ، تجد بعد وهلة أن اللعبة تستهويك .
تبدأ تبحث عن صور لأخريات في ذاكرتك ..
الشارع ممتد ، والبيوت أسرار ، وحوامل أختام نفسك ضلوا عنك بختم الراحة والهناء .. تخترع لنفسك قصة أخرى .. وتبدأ في عزف مزامير خاصة بك ..
تتصور ( سعدية) زوجة البواب ، وتتخيلها في قصة النداهة ، ثم تعود لنفسك من جديد .
عالمك متشابك وعجيب ، بنات أفكارك يعبثون بك .
مريم وزوجها المسجون في الواحات ، من يؤنس وحدتها ، زينب وزوجها الذي يعمل في الخليج من يلبي طلباتها .
تضليل ثم تضليل .
هذا ما تراه بعينيك عبر السدود اللامرئية للعالم .. تبدأ منذ البداية ، تشاهد عبث ظنك بالأشياء .
حواء ، وآدم قصة تتكرر في خيالك آلاف المرات ، الوعد بالجنة ، والنار يؤرقك .. تتوقف مزامير خيالك عن العزف .
تبحث عن حل وسط جنونك اللانهائي .
هل كانت الأفعى أم إبليس السبب ؟!
وهل حقًا حملت الأفعى إبليسا بين فكيها ودخلت به الجنة ليغوي آدم؟! ..
هذا ما قاله لك صديق إنه من البديهيات ، لا داعي لترفض أفكار الآخرين .. هكذا قالت لك ( عفاف) في يوم ما .
تشرد إلى جورجيت اليونانية وأمها ، تتذكر كلمات الأم وهي تحذرها من الرجال في سن مراهقتها الأولى :
جورجيت أوعي جورجيت حد يمسك صدرك ، يلمس جسمك ، أوعي .
تضحك من التخيل بعد رحيل الأم عن الدنيا ، وتضحك أكثر عندما تتذكر أن جورجيت تواعد نصف شباب الشارع ، وأنها أدمنت اللعبة ولم ينفعها التحذير ، تتخيل جورجيت في أحضانك ، ثم تتوجس من نفسك خيفة مرة أخرى ، تخاف من الفشل ، السن يكبر بك ، وكل النساء وصورهم أفكار متعاقبة ولاهثة في حياتك.
تتخيل جورجيت وهي في جسدها الممشوق تجري في الشارع عارية تماما والشباب يقذفونها بالحجارة .. يلهيك التخيل .. ويلهبك.
تبدأ في عزف جديد علي مزامير الحي ..
ترى بعين خيالاتك صورة أخرى لإيمان تلك الفتاة الجامعية التي كانت تعمل في عيادة طبيب العيون المشهور ، وأحبت زميلها التمرجي ، تضحك على ما اكتشفته بعد ذلك أن صديقها كان يتسلل إلى بيتها بعد الثالثة صباحا ، تفتح له الباب بحرص وبقميص يكشف أكثر مفاتنها ، وفي غرفة نومها يمارسان الحب بكل أنواعه ، تتمايل تحت ثقله وهم يشاهدان فيلمًا خاصًا .. تعود للعيادة صباحًا ، يطلبها الدكتور المشهور لنفسه بعد أيام ، ولكنه لا يطلبها كزوجة بل عشيقة .. تضحك من نفسك ، في فترة ما أحببتها ، في فترة ما أدمنت النظر إلى عينيها الخارقتين .. تهرب إيمان من بيت أسرتها مع صديقها الممرض ، تعود بعد فترة تحمل بين يديها أحلام الخيبة ..
يجدد الطبيب المشهور وعوده لها ، تحاول أنت تشفي الحقيقة .. تهرب إيمان مرة أخرى منك ، وكأنها تعودت الهروب ، مثلك أيضا يهرب .. تهرب من الحقيقة إلى الأحلام وإلى الغريب مهما كان .. وكأنك ولدت لتبحث عن حقيقة الدنيا !
تزداد اللعبة خطورة الآن ، صوت مزامير الحي يعلو فوق عقلك وروحك .
تقترب من أبواب مغلقة في نفسك ، وداخلك ، تبحث عن السر ، تجد أنك تعزف المزامير وحدك ، تنظر بعينيك إلى العمارة المقابلة تتصاعد الأفكار مع كل دور وشقة وكأنك تكتب تاريخا جديدا للحياة ..
تقف عند نافذة معينة مغلقة منذ فترة ، ترى بعين خيالاتك صديقتك المقربة التي كنت تأخذها إلى المدرسة صباحا وتعود بها وقت الانتهاء ..تتذكر كم قلت لها إنك تحبها وإنك سوف تفعل المستحيل لتتزوجها عندما تكبر .. ترى أنها كبرت مثلك ، وبعد مشاوير طويلة عبر قطار الجامعة استقرت في شقة في الإسكندرية ، وفتحتها على البحري كما يقولون .
عادت لتتزوج من شخص فاحش الثراء ، تصيف في الساحل الشمالي ، تملك رصيدًا عمر أبيك ما حلم به كما سمعت ..
صوت المزامير يزداد علوًا .
تحسب سنوات عمرك كلها ، تضرب مرتبك الشهري في مئة عام ، تجد أنه لا يساوي ثمن فيلتها الجديدة ، تزيد من عمرك مئة عام أخرى ، ترى أنك لم تبلغ ثمن عربتها .. تزيد من عمرك سبع مئة سنة أخرى .. لم تبلغ نصف ثراءها الآن .
هل جحد آدم فجحدت ذريته ؟!
تضحك من نفسك وتخيلك ، ترى أنك تضاجع بنات أفكارك ..
ترى أن القصص هي لعبتك والتخيل هو حياتك كلها ..
تبدأ في رسم قصة أخرى لك ولها ولزوجها ، صورة لك تقتله وتأخذ مكانه ..
هل قتل قابيل أخاه هابيل عن حق ؟!
أم لأنه هابيل فيجب أن يقتل ؟!
أم يجوز أن قابيل أحب بصدق ؟!
الغريزة دافع أساسي للحياة .. لتعزف مزاميرك وحدك أيها الحي .
تتطلع بعين أخرى إلى المقهى .. ترى أن النهار ما زال بعيدا ، وأن كوب الشاي لن يأتي الآن .
تعود لنفسك ، تتساءل ما معنى الحياة ، وما معنى المتع؟!
وأي متعة ألذ من الأخرى، النساء ، المال ، السلطة ؟!
ترى صفية وهي تساند زوجها في الانتخابات الأخيرة والوعود المتكررة ، سياسة لا تحب ..تتخيل ما حدث بعد فوزه كأنه الجنون ، صفية تمارس الحب مع السلطة ، وزوجها يضمن كرسيه ، تموت أكبر بناته في حادثة مدمرة يبني لها مسجدا وعيادة للبر ..أخوه أصبح يركب أفخر أنواع السيارات وتطارده الفتيات ، مع أنه ليس برجل حق .
وأنت كما أنت تحلم بطفل وزوجة وشقة ، ترى أن أحلام خيالك تثقل على نفسك ..
تشعل سيجارة أخرى ، ترى صبي المقهى ( حديدة) كما يطلقون عليه ، ما يزال مشغولا برص الكراسي ، تنادي عليه مرة أخرى لتقتل إحساسك بالوحدة ، يقترب منك ضاحكًا .
يتساءل إن كنت ما زلت تحتاج لكوب الشاي ، تهمس له ما أخباره ، وهل حقًا تزوج مرتين ، يضحك ( حديدة) المعتوه قليلا ، ويخرج من جيبه حبة زرقاء مستوردة يعطيها لك .
لتظل أنت تضحك، وتضحك
وفي الأفق تتخيل رجلا عجوز يسحب زوجته خارجًا من بقعة خضراء وكأنها الجنة..
ومزامير الحي تعزف أمامك لحنًا لانهائي.. بينما تتراقص كل فتيات الشارع عاريات أمامك ..