يقتله الشك ...  

Posted by: محمد إبراهيم محروس



يقتله الشك.....

قتله الشك، منذ الأمس وهو يشعر بأن حياته كلها تمضي في وتيرة الشك، سحب السماء تبدو بعيدة جدًا، بينما يراهن هو ظله المعكوس أن يسبقه، مرر عينيه على واجهة المحلات المتتابعة أمامه، يريد أن يشتري لها شيئًا، يريد أن يدخل عليها اليوم وهو فارسها، معركته الأخيرة كانت خاسرة بالتأكيد، يتذكر كيف بدا لها وقتها طفلا، وكيف بدت هي كأنثى كاملة تنتظر من يفك شفرتها، بالتأكيد هو أجتهد من ناحيته في هذا، ولكن بعد انتهائه أحس أن هناك شيئًا ناقصًا في الموضوع، ليس كما هو متوقع له. أضواء النيون في المحلات تعاكس عينيه، هل هذه تناسبها ؟ ستبدو في غاية الجمال وهي ترتديها، قبعة جميلة حقًّا، سوف تشبه وقتها فتاة من الغرب، لقد أحب من قبل فتاة ترتدي هذه القبعة في فيلم سينمائي قديم، لا، سيحاول أن يجد شيئًا أشد جاذبيه، ما رأيها لو جلب لها هذه الزجاجة من العطر الفاخر، بالتأكيد ستعبئ جو الغرفة الرائحة، ولكن أي رائحة سوف تطغي على رائحة جسدها، الذي يشعر أنها تتخلل مسام جلده الآن، لحظات حالمة تقترب وتبتعد، يظن أنه سيظل كثيرًا واقفا أمام الواجهات، لن يختار بسهولة، يجب أن تكون الهدية مثيرة، فتاة تقف خلف طاولة ممتدة، ترتفع ابتسامتها إلى شفتيها تدعوه للدخول، ربما هي تكون أكثر منه خبرة ستقول له الهدية المضبوطة، المرأة لغز ولن يفهمها إلا امرأة مثلها، هكذا قال لنفسه وهو يتقدم ناحية الفتاة، التي اتسعت ابتسامتها أكثر، وكأنها تثبت لنفسها نجاحها في جذبه، ألقى التحية هكذا ظن، برغم أن صوته بدا ضعيفا متخاذلا، رأت ملامح الحيرة في وجهه، ساعدته قدر استطاعتها، عرضت عليه أصنافا متعددة من كل شيء موجود حولها تقريبًا، حاولت أن تفتح معه مجالا للحوار، ربما قالت إنها تسكن بجواره على الناصية، وإنها كثيرًا ما رأته وهو يجهز نفسه للعمل صباحًا من شرفة منزلها، وربما قالت إنها تابعته وهو يرشف فنجان قهوته الصباحية التي يدمنها، الدقائق تمر الآن في سهولة ويسر، وحديثه مع الفتاة فتح نفسه للحوار أكثر، جادلها وجادلته، ضحك عندما عرف أنها جارته بالفعل بل إنه يتذكر أنه لعب معها في الصغر، وتذكر شكل أمها، كم كانت جميلة ومثيرة، الأم، هكذا قالها لنفسه، بينما الفتاة تبدو أمامه أكثر حيوية منها وحركة، تتحرك في انسيابية عجيبة، ملامحه المتوترة، وقلقه كلما أمسك هدية بيديه، جعلها تتعاطف معه، بعض الريبة انتابتها بعد مرور الوقت، ربما ظنت أنه يطيل الوقت حتى يحادثها ويبادلها الذكريات، الخطوات قليلة على المحل الآن فلا داعي لأن تشعره أنها تحس بالضجر، بل بالعكس أصبحت تميل أن تطيل الحديث، ولكن أزعجها أنه يبدو ساذجًا أكثر من اللازم وليس كما تخيلته، سحبت كرسيًا وصعدت أمامه لتتناول شيئًا من رف علوي، ظهرت ساقاها له جذابتين، وملفوفتين، بلع ريقه وهو يضم كلمات كادت أن تهرب من بين شفتيه فضغطها تحت لسانه، جلبت له الهدية، فتحتها أمامه في بساطة، أقشعر شعر يديه، واحمر وجهه، بينما ضحكت هي، وهي تعرض أمامه " البيبي دول" الذي جذب نظره ، طلب في آخر الأمر أن تلفه في شنطة وعلى شكل هدية، وشكرها، ولم يلحظ ملامح الضيق التي خالجت وجهها وهي تلف الهدية، على باب المحل كان عليه الانتظار، فصديقه سيمر عليه الآن ويجب أن يكون يقظًا حتى لا يجيء ويذهب دون رؤيته، المشكلة أنه بدا لنفسه شخصا آخر، شعر برجفة ما تستولي على جسده، لحظات، ورفع هاتفه المحمول، وطلب صديقه، الذي لم يرد في أول مرة، ولكنه واصل محاولته، فجاء صوت الصديق. إنه سيمر على صيدلية لجلب دواء ما، وسيكون أمامه خلال دقائق، بدت الدقائق بطيئة، رأى فتاة المحل تقف أمام بابه قبل أن تغلق المحل، وترمي له بسلام وابتسامة وهي تغادر الرصيف الذي جمعهما لثوان.. وكأنه تقول له لاحقني، ولكن ربما لم يفهم أو لم يحاول الفهم..
أخيرا بدت سيارة صديقه تدخل الشارع مسرعة، بينما كاد الشك أن يقتله أنه لن يأتي، أشار له الصديق بالركوب، تبادل بينه وبين نفسه حوارا طويلا والسيارة تمضي، أخيرا بدت له العمارة قريبة، ركن صديقه السيارة، ودعاه للنزول، صعد الطوابق الخمس وكأن هناك ملاكا يرقص بين صدره، وقف أمام الشقة ورن الجرس، فتحت له، وابتسمت وأفسحت له الطريق، لم تمر ثوان حتى وجد يد صديقه تسحبه لجانب وهو يتمتم له
: بص يا جميل المرة دي فيه توافيق وتباديل ، انت هتأخد البت اللي كنت انا معاها المرة اللي فاتت ، وانا هاخد اللي كانت معاك ، أوك .. قشطة "
شعر بسحابة سوداء تطبق على عينيه، وضع الهدية جانبا، وهو يرى صديقه يسحب فتاته ويمضي إلى إحدى الغرف الشاغرة، بينما وقف هو ذاهلا يقتله الشك.........




This entry was posted on 5:21 م . You can leave a response and follow any responses to this entry through the الاشتراك في: تعليقات الرسالة (Atom) .

5 التعليقات

إرسال تعليق